JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

قصة مهاجر (وطن الذاكرة )



 قصة مهاجر 

(وطن الذاكرة )


أمجد ولد خارج الوطن، لكن شيئًا من الوطن وُلد معه.


لم يكن يعرف كيف وصلت إليه تلك المحبة التي لم يعش تفاصيلها، ولا كيف استطاع أن يحب شوارع لم يمشِ فيها، وسماءً لم ينم تحتها، وبيتًا لم يرَ جدرانه إلا في صورة قديمة تحتفظ بها أمه في صندوق صغير.


كان أبوه يقول له:هناك كانت بدايتنا.


وكانت أمه، كلما جاء ذكر البلاد، تصمت قليلًا، ثم تبتسم تلك الابتسامة التي لا يعرف الطفل كيف يفسرها؛ نصفها فرح، ونصفها وجع بعيد.


كبر وهو يظن أن الوطن شيء يشبه وجه الأم.


لا يحتاج إلى تفسير.

يكفي أن تراه حتى تعرف أنك تعرفه.


لكن الوطن بالنسبة إليه لم يكن مكانًا.


كان مجموعة صور.


صورة لأبيه شابًا أمام بيت لم يعد يعرف إن كان قائمًا.


صورة لأمه بملابسها القديمة، تقف أمام باب خشبي، ووراءها شارع لا يعرف اسمه.


صورة لجده،صورة لشجرة،صورة لبحر.


وصورة صغيرة باهتة لبيت كانت أمه تشير إليه وتقول:هنا عشنا.


كان يسأل:وأين هذا؟


فتجيبه:في الوطن.


وكان السؤال يكبر في داخله كلما كبر:


أي وطن؟


الوطن الذي ولد فيه؟


أم الوطن الذي ولد فيه أبوه؟


أم الوطن الذي بقيت فيه ذاكرة أمه؟


أم الوطن الذي صنعته الصور داخل قلبه؟


كبر الشاب، وكبرت معه حكايات الهجرة.


كان يسمع عن أناس عبروا البحر بحثًا عن حياة أوسع، وعن آخرين حملتهم القوارب الصغيرة إلى جهة لا يعرفون ماذا تخبئ لهم.


بعضهم وصل،وبعضهم لم يصل،بعضهم عاد.


وبعضهم بقي اسمه في ذاكرة أهله، كأن البحر ابتلع جسده وأبقى السؤال.


كان يسمع أسماء أناس لم يعرفهم، لكنه كان يشعر أنهم يشبهون عائلته.


شباب خرجوا وفي جيوبهم القليل، وفي قلوبهم الكثير.


أمهات ينتظرن.

آباء يتظاهرون بالقوة.


أطفال لا يفهمون لماذا طال الغياب.

وقصص كثيرة انتهت عند البحر، أو عند أبواب الاحتجاز، أو عند طرق لم يعرف أصحابها كيف يعودون منها.


وكان كلما سمع قصة منهم، يعود إلى صورة أمه.


إلى صورة أبيه.

إلى ذلك البيت الذي لم يعرفه.

ويقول في نفسه:كم من إنسان خرج يبحث عن حياة، فوجد نفسه يبحث عن اسمه؟


وحين جاءت اللحظة التي قرر فيها العودة، لم يكن يحمل حقيبة ثقيلة.

كان يحمل جواز سفر.


وكان الجواز يقول له إن له جنسية.


وكانت الجنسية تقول له إن له وطنًا.


لكن قلبه كان يسأل سؤالًا آخر:


هل تكفي الورقة كي تعرف أين تنتمي؟


جلس في الطريق، وأخرج صور والديه واحدة واحدة.


لم يكن يبحث فيها عن الماضي فقط.


كان يبحث عن نفسه.

تأمل وجه أبيه.


ذلك الشاب الذي كان يومًا يقف في مكان ما، أمام بيت ما، ويحلم بحياة لم يعرف أنها ستأخذه بعيدًا.

ثم تأمل وجه أمه.

كانت أصغر بكثير مما عرفها عليه الزمن.

ضحكتها في الصورة كانت مختلفة.

عيناها كانتا تعرفان شيئًا لم يعرفه هو.

قرب الصورة من وجهه.


وفجأة شعر أن كل سنوات الغربة التي عاشها لم تكن بعيدة عنه كما ظن.


لقد كان يحملها في ملامحه.

في لغته،في طريقة أمه وهي تناديه.


في بعض الكلمات التي ورثها عن أبيه.


في الطعام الذي كانت أمه تصنعه كما صنعتْه أمها.


في الأغنية التي كان يسمعها صغيرًا ولا يفهم لماذا كانت أمه تبكي عند نهايته؟! .


فهم للمرة الأولى أن الإنسان قد يرث وطنًا دون أن يرث أرضه.

وقد يحمل بلدًا كاملًا في طريقة نطق اسمه.

كلما اقترب من الحدود، أصبح السؤال أثقل.

كان يستطيع أن يرى الطريق.

وكان يستطيع أن يرى الجواز في يده.


لكن شيئًا آخر كان يقترب منه:

الخوف من أن يصل فلا يجد الصورة التي في داخله.

ماذا لو كان البيت قد تغير؟


ماذا لو لم يعرف الشوارع؟


ماذا لو لم يعرفه الناس؟


ماذا لو وقف في المكان الذي طالما سمع عنه، ولم يشعر بشيء؟


ماذا لو كان الوطن الذي عاش عمره يحبه موجودًا فقط في قلب أمه؟


ثم قال لنفسه:ربما لا ينبغي أن أطلب من الوطن أن يعيد لي طفولتي.


ربما يكفي أن أعود إليه وأنا كبير.


أن أتعرف إليه من جديد.

أن أترك للصورة أن تصبح مكانًا.


وللذكرى أن تصبح حياة.


دخل ،كان معه جواز سفر.


كان يحمل اسمًا وجنسية ووثائق تقول إن له وطنًا.


لكن عند أول خطوة شعر أن الأوراق لا تستطيع أن تفعل كل شيء.


هي تستطيع أن تعرّف هويته القانونية.


لكنها لا تستطيع أن تقول له:


هنا قلب أمك.


هنا كان أبوك شابًا.


هنا حلم جدك.


هنا بدأت الحكاية.


هذه الأشياء لا تُكتب في الجواز.


إنها تحتاج إلى أن يمشي الإنسان.


أن يسأل،أن يرى،أن يصغي.


أن يسمح للمكان بأن يتعرف إليه، كما يحاول هو أن يتعرف إليه.


ذهب يبحث عن البيت.


لم يكن يعرف الطريق.


فتح الهاتف.


أخرج الصورة.


قارن الجدار.


النافذة.


الشجرة.


ثم ضحك.


كان البيت قد تغير.


والشارع تغير.


والمدينة تغيرت.


حتى الصورة نفسها أصبحت أقدم من أن تكون دليلًا كاملًا.


لكنه لم يشعر بالخسارة.


وقف أمام المكان طويلًا.


ثم قال بصوت خافت:


أبي، هل هذا هو؟


لم يكن ينتظر إجابة.


كان يعرف أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى جواب.


يكفي أن تُقال.

في تلك اللحظة فهم شيئًا لم يفهمه طوال حياته.

الوطن ليس المكان الذي لا يتغير.


الوطن هو المكان الذي تستطيع أن تنمو معه حين يتغير.

لم يعد يبحث عن الوطن الذي وصفته له الصور.


بدأ يبحث عن الوطن الذي يستطيع أن يبنيه معها.


فهو لم يأتِ ليعيد الزمن.


جاء ليضيف إليه.


لم يأتِ ليعيش حياة أبيه.


جاء ليعيش حياته، وفيها شيء من أبيه.


لم يأتِ ليصبح نسخة من أمه.


جاء ليحمل حبها للأرض بطريقة جديدة.


وفي المساء اتصل بأمه.


قال لها:


وجدت المكان.

سكتت طويلًا.


ثم قالت:هل عرفته؟


نظر حوله.


إلى الشارع.


إلى السماء.


إلى الناس.


إلى يده التي تحمل الجواز.


ثم قال:لا أعرف إن كنت أنا الذي عرفته… أم أنه هو الذي بدأ يعرفني.

بكت أمه.

ولم يعرف إن كانت تبكي لأنه عاد، أم لأن صورة قديمة داخلها وجدت أخيرًا طريقها إلى الحاضر.


كان يعرف الآن أن قصته ليست قصته وحده.


كان يحمل معه قصص أولئك الذين لم يصلوا.

أولئك الذين خرجوا من بيوتهم ولم يجدوا طريق العودة.


أولئك الذين غلبهم البحر.


أولئك الذين احتجزتهم الطرق.


أولئك الذين عادوا بأجسادهم وبقيت أرواحهم في مكان ما بين وطنين.


لم يكن يريد أن يحوّل مأساتهم إلى حكاية حزينة فقط.


كان يريد أن يعطيها معنى.


أن يقول:إن الإنسان الذي يخرج بحثًا عن حياة لا ينبغي أن يفقد إنسانيته في الطريق.


وأن الذي يعود لا ينبغي أن يعود محملًا بالخجل من سنوات غيابه.


وأن الأبناء الذين ولدوا خارج الوطن لا ينبغي أن يُطلب منهم أن يختاروا بين الأماكن التي صنعتهم.


فقد يكون الإنسان ابن أكثر من مكان.


وقد يكون الوطن الواحد قادرًا على أن يسع أكثر من ذاكرة.


جلس في آخر الليل أمام البيت.


أخرج جوازه من جيبه.


نظر إليه طويلًا.


لأول مرة لم يره مجرد وثيقة تعبر به الحدود.


رآه شاهدًا على رحلة طويلة.


رحلة أب وأم.


رحلة ابن.


رحلة عائلة.


رحلة وطن ظل حاضرًا في قلب أناس ابتعدوا عنه.


ثم أعاده إلى جيبه.


لم يعد الجواز هو السؤال.


فقد عرف شيئًا أهم:الجواز يخبر العالم إلى أين يستطيع أن يعبر.


لكن القلب وحده يعرف:


إلى أين يستطيع أن يعود.


وفي الصباح مشى بين الناس.


لم يعد يسأل:هل أنا من هنا؟


بل بدأ يسأل:كيف أكون هنا؟


كيف أحفظ المكان؟


كيف أحترم أهله؟


كيف ألتزم بواجباتي؟


كيف أعيش حقوقي دون أن أنسى حقوق غيري؟


كيف أحمل ما تعلمته في الغربة دون أن أضعه في مواجهة ما تركه أهلي؟


كيف أجعل من تجربتي جسرًا بين جيلين؟


وهنا اتسعت الإجابة.


لم يعد الوطن صندوقًا مغلقًا اسمه الماضي.


صار مساحة يمكن أن يكبر فيها الجميع


أدرك أن أبناء العودة لا يحتاجون إلى أن يُسألوا دائمًا:


من أين أتيتم؟


بل يمكن أن يُقال لهم: تعالوا، لنتعرف إلى بعضنا.

أنتم تحملون شيئًا من هنا.


وحملتم معكم شيئًا من هناك.

فلنصنع من الاثنين حياة أوسع.


فالوطن الذي يحتضن أبناءه لا يخسر حين يعودون مختلفين.


بل يكبر بهم.


والوطن الذي يحب أبناءه لا يخاف من العالم الذي عاشوا فيه.


بل يأخذ من تجاربهم ما ينفعه، ويترك لهم حق أن يكونوا أنفسهم.


وفي يوم عودته الأخير، وقف عند البحر.


الماء نفسه الذي حمل حكايات كثيرة.


الماء الذي شهد رحيل أناس لم يعرفوا إن كانوا سيصلون.


نظر إلى الأفق.


ثم تذكر أولئك الذين لم يعودوا.


وتذكر أمه.


وتذكر صورة أبيه.

وتذكر الطفل الذي كان يسأل:

أين وطني؟

فأجاب نفسه الآن:الوطن ليس جوابًا واحدًا ،الوطن جذر،والغربة غصن.


والإنسان شجرة تستطيع أن تكبر، وأن تمتد، وأن تحمل ثمارًا في أكثر من جهة، دون أن تنكر الجذر الذي بدأت منه.

لقد عاد.

لكن عودته لم تكن نهاية الغربة.

كانت بداية مصالحتها.

لم يعد يريد أن يمحو السنوات التي عاشها خارجًا.

أراد أن يجعلها جزءًا من الحكاية.

أن يقول لأبنائه يومًا:

لقد كان لنا وطن أحببناه قبل أن نعرفه، ثم عرفناه حين عدنا إليه.


وكان لنا عالم عشنا فيه، فعلمنا أن الإنسان يستطيع أن يحمل أكثر من مكان في قلبه.

وكان لنا جواز سفر عبر بنا الحدود.


لكن أعمق من كل الحدود كان هناك شيء لم تستطع الغربة أن تسلبه:


أن يكون لنا قلب يعرف معنى الوطن، ولا ينسى معنى الإنسان.


ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يسأل:


أي وطن أنا؟

صار يقول:

أنا ابن وطن أحبني، وابن عالم علّمني، وإنسان تتسع هويته لكل قلب حفظ له كرامته.

ثم نظر إلى البحر مرة أخيرة.

وقال:

لمن لم يصلوا: سلام.

ولمن عادوا: سلام.

ولمن ينتظرون العودة: سلام.

ولكل أم ما زالت تحفظ صورة ابنها: سيأتي يومٌ لا تكون فيه الصور آخر ما تبقى من أحبائكم.

وعاد إلى بيته.

هذه المرة لم يحمل صورة الوطن معه.

لأنه صار يمشي فيه.


الروائية السورية : هيفاء البريجاوي

author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة