كتب : وائل عباس 



لم تعد الخيانة في زماننا مجرد كلمة تُقال في لحظة غضب ، أو واقعة عابرة تنتهي باعتذار ، وإنما أصبحت في بعض صورها ظاهرة خطيرة تتسلل إلى البيوت والعلاقات والمجتمع ، وتترك وراءها جروحًا يصعب أن تلتئم .
والخيانة في حقيقتها ليست مجرد علاقة محرمة بين رجل وامرأة ، وإنما هي سقوط أخلاقي يبدأ عندما يستهين الإنسان بالأمانة ويبيع عهدًا قطعه ، أو يكشف سرًا اؤتمن عليه ، أو يخون صديقًا أو مجلسًا أو وطنًا ، أو حتى جسده وصحته .
وقد جاء الإسلام واضحًا في تحريم الخيانة بكل صورها ، فقال الله تعالى :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
سورة الأنفال: 27.
الخيانة الزوجية ... جريمة تهدم بيتًا كاملًا
من أخطر صور الخيانة وأكثرها قسوة الخيانة الزوجية ؛ لأنها لا تخون شخصًا واحدًا فقط ، وإنما تهدم الثقة التي بُني عليها بيت كامل ، وقد تمتد آثارها إلى الأبناء والعائلتين والمجتمع .
فالزواج في الإسلام ليس مجرد علاقة عاطفية ، وإنما ميثاق غليظ، قال تعالى :
﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا .
سورة النساء : 21.
ومن هنا فإن العلاقة السرية بين أحد الزوجين وشخص آخر ليست مجرد "صداقة"، إذا تجاوزت حدود الأحترام المشروع وتحولت إلى رسائل خفية ، ومكالمات مستترة ، ولقاءات محرمة ، وتبادل للمشاعر أو الصور أو العبارات التي لا تجوز بين غير المحارم.
وقد أصبح انتشار وسائل التواصل الاجتماعي عاملًا ساعد على سهولة التعارف وإخفاء العلاقات خلف شاشات الهواتف.
تبدأ الحكاية أحيانًا برسالة عادية ثم إعجاب ، ثم حديث يومي، ثم فضفضة ثم تعلق ثم لقاء ، حتى يجد أحد الطرفين نفسه أمام علاقة تجاوزت كل الحدود .
وهنا تكمن الخطورة ؛ لأن ما كان مستحيلًا في الماضي أصبح اليوم على بُعد ضغطة زر .
عندما تتحول "الصداقة" إلى باب للخيانة
ليس كل تعامل بين الرجل والمرأة خيانة ، فهناك العمل والدراسة والمعاملات الاجتماعية وغيرها من العلاقات المشروعة .
لكن الخط الفاصل يبدأ عندما تتحول العلاقة إلى سرٍّ يُخفى عن الزوج أو الزوجة ، أو تصبح هناك رسائل لا يجوز أن يطلع عليها شريك الحياة ، أو لقاءات بعيدة عن أعين الناس ، أو مشاعر عاطفية تتجاوز حدود التعامل المشروع .
والقاعدة الأخلاقية البسيطة تقول :
إذا كانت العلاقة تحتاج إلى الكذب حتى تستمر ، فهي علاقة فقدت براءتها .
وقد حذر القرآن من الإقتراب من الزنا ، ولم يكتفِ بالنهي عن الفعل نفسه، فقال تعالى :
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
سورة الإسراء: 32.
والتعبير القرآني " ولا تقربوا " يحمل تحذيرًا من الطرق والمقدمات التي تقود إلى الحرام .
وسائل التواصل ... أداة وليست مجرمًا
السوشيال ميديا ليست هي الخائنة ، وإنما الإنسان هو الذي يقرر كيف يستخدمها .
فالهاتف يمكن أن يكون وسيلة للعلم والعمل والتواصل النافع ، ويمكن في الوقت نفسه أن يتحول إلى باب للفتنة والخداع والابتزاز والخيانة .
والخطر الحقيقي يبدأ عندما يشعر الإنسان أن الشاشة تمنحه فرصة لإخفاء ما لا يستطيع فعله في الواقع .
ومن المؤسف أن بعض العلاقات تبدأ تحت عنوان "الصداقة" ، ثم تتحول تدريجيًا إلى تعلق عاطفي وعلاقات محرمة ، وقد تنتهي في بعض الحالات بفضائح أسرية أو ابتزاز أو اعتداءات أو جرائم قتل وانتحار وتفكك أسري .
وهنا يجب أن يدرك الجميع أن إخفاء العلاقة لا يجعلها مباحة ، ومسح الرسائل لا يمحو أثر الخطيئة .
