💬 هنا نابل | بقلم المعز غَنِـي
الأمن والأمان... أم العطش والظلام؟!
«الأمن والأمان... يحيى هنا الإنسان»
كانت كلماتٌ جميلةً، دافئةً، حالمةً، صدحت بها الفنانة التونسية القديرة صوفية صادق، فإختزلت في جملة موسيقية واحدة صورةَ وطنٍ يُفترض أن يكون فيه الإنسان آمناً، مطمئناً، مكرّماً، يجد الماء والكهرباء والدواء والغذاء، ويعيش بكرامة لا بمنطق الإنتظار والإستنجاد.
لكن... هيهات ...!
لقد بلغ السيل الزُّبى...!؟
فما أجمل الأغنية حين تصف وطناً نتمناه، وما أقسى الواقع حين يكتب لنا كلماتٍ أخرى لا تشبه الأغاني ...!
اليوم، لم يعد السؤال: هل يعيش الإنسان في أمن وأمان؟
بل أصبح السؤال الأكثر إيلاماً:
هل يستطيع الإنسان أن يعيش أصلاً ؟!
حين تنقطع الكهرباء في عزّ الحرّ، ويتوقف الماء في عزّ العطش، وتختفي قوارير المياه المعدنية من الأسواق، وإن وُجدت فبأسعار تثقل كاهل المواطن... فماذا نسمي ذلك؟
وحين يقف المواطن طويلاً بحثاً عن شربة ماء، بعدما كان الماء أبسط حق من حقوق الحياة، فكيف يمكن أن نتحدث عن الرفاه أو الطمأنينة؟
وحين يصبح الحصول على الدواء معركةً أخرى، ويجد المواطن نفسه أمام زيادات صادمة في أسعار بعض الأدوية، تصل ـ وفق ما يُتداول ويُعاينه المواطنون في بعض الحالات ـ إلى نسب مرتفعة جداً، حتى قيل إنها بلغت 300%، فماذا بقي من معنى القدرة على العلاج لمن أنهكته المصاريف؟
وحين تتآكل القدرة الشرائية يوماً بعد يوم، ويصبح الراتب عاجزاً عن ملاحقة الأسعار، ويضطر ربّ الأسرة إلى ترتيب أولوياته بين الماء والكهرباء والدواء والغذاء...
فأيّ أمان هذا الذي نتحدث عنه؟!
---
من «الأمن والأمان» إلى «العطش والظلام» ...!
لا أحد ينكر أن الدولة تواجه صعوبات وضغوطاً إقتصادية وإجتماعية ومناخية، ولا أحد يطالب بالمستحيل.
لكن المواطن لا يطلب قصوراً ولا أمتيازات.
إنه يطلب فقط:
ماءً في الصنبور...
كهرباءً لا تنقطع...
دواءً في المتناول...
أسعاراً لا تلتهم راتبه...
وسوقاً تحفظ له كرامته.
المواطن التونسي لا يريد أن يكون بطلاً في الصبر إلى الأبد.
لقد صبر كثيراً...
وصمت كثيراً...
وتحمّل كثيراً...
لكن للصبر حدوداً، وللقدرة على الإحتمال سقفاً، وللكرامة الإنسانية خطوطاً حمراء لا يجوز تجاوزها.
---
العطش ليس رفاهية... والدواء ليس كماليات ...!
عندما ينقطع الماء، لا يمكن للمواطن أن يقول لجسده: أصبر.
وعندما تنقطع الكهرباء في درجات حرارة خانقة، لا يمكن أن نقول للطفل والمسن والمريض: تحمّلوا.
وعندما يرتفع سعر الدواء، لا يمكن أن نقول للمريض: أجّل علاجك حتى تتحسن الظروف.
وعندما تختفي قوارير المياه المعدنية من الأسواق أو تصبح أسعارها فوق طاقة المواطن، لا يمكن أن نطلب منه أن يبحث عن كرامته في طوابير طويلة تحت الشمس.
هذه ليست تفاصيل صغيرة في حياة الناس.
هذه هي الحياة نفسها.
---
تونس التي نحبها تستحق أكثر...
تونس ليست مجرد أرقام في التقارير، ولا جداول في الموازنات، ولا تصريحات تُقال أمام الكاميرات.
تونس هي ذلك الأب الذي يحسب ما تبقى من راتبه قبل أن يشتري الدواء.
هي الأم التي تفكر ألف مرة قبل أن تقتني حاجيات البيت.
هي العامل الذي أنهكه الغلاء.
هي المتقاعد الذي أصبح معاشه لا يكفيه.
هي الشاب الذي يرى مستقبله يبتعد عنه.
هي الطفل الذي لا يفهم لماذا أطفأت الأنوار ولماذا جفّ الحنفية.
تونس هي الإنسان... قبل كل شيء.
وحين يتعب الإنسان، تتعب تونس.
وحين يعطش الإنسان، تعطش تونس.
وحين ينام الإنسان على الظلام والقلق والخوف من الغد، فإن المسألة لم تعد مجرد أزمة عابرة، بل تصبح صرخة إجتماعية تستوجب الإصغاء.
---
رسالة إلى من يهمه الأمر
نحن لا نكتب من أجل التشهير بأحد، ولا من أجل صناعة الإثارة.
نكتب لأن وجع الناس أصبح أعلى من أن يُخفى.
نكتب لأن المواطن يريد أن يشعر أن صوته مسموع.
نكتب لأن الماء والكهرباء والدواء والغذاء ليست إمتيازات تمنحها الدولة متى شاءت، بل هي من أساسيات الحياة والعيش الكريم.
نكتب لأن المسؤولية ليست فقط في تبرير الأزمة، وإنما في إدارة الأزمة، وأستباقها، ومحاسبة المقصر، وإيجاد الحلول.
وفي دولة المؤسسات، لا ينبغي أن يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في كل أزمة.
---
ولأن الأغنية تقول: «الأمن والأمان... يحيى هنا الإنسان»
فإنني أقول اليوم، بكل مرارة ووجع:
> هيهات... عندما ينقطع الماء، ويغيب الضوء، ويختفي الدواء، وترتفع الأسعار، وتتآكل القدرة الشرائية... لا يعود المواطن يبحث عن رفاهية العيش، بل عن أبسط شروط البقاء.
بالعطش... وفي الظلام... يختنق هنا الإنسان ...!
فلا تجعلوا المواطن التونسي يصل إلى مرحلة يصبح فيها الحصول على قطرة ماء أو حبة دواء أو ساعة من الكهرباء حلماً ...!؟
أرحموا الناس... يرحمكم الله.
أرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .
فالوطن لا يُقاس فقط بعدد المشاريع التي تُنجز، ولا بحجم الأرقام التي تُعلن...
الوطن يُقاس بمدى قدرة أبسط مواطن فيه على أن يعيش مرفوع الرأس، مطمئناً على يومه، آمناً على غده.
وإن كان لنا من كلمة أخيرة، فهي:
أعيدوا للإنسان ماءه... ونوره... ودواءه... وقدرته على العيش بكرامة.
لأن الإنسان إذا فقد الماء عطشاً،
وإذا فقد النور عاش في الظلام،
وإذا فقد الدواء عانى المرض،
وإذا فقد القدرة الشرائية فقد شيئاً من كرامته...
فأي وطنٍ نريد أن نبني، إذا كان الإنسان فيه آخر من نفكر فيه؟!
🇹🇳 تونس تستحق أن يكون شعارها واقعاً لا أغنية فقط...
الأمن والأمان... يحيى هنا الإنسان.
#هنا_نابل
#المعز_غني
#تونس
#الماء
#الكهرباء
#الدواء
#القدرة_الشرائية
#العيش_الكريم
#العطش_والظلام
#صوت_المواطن
