بقلم: أيمن بحر
منذ آلاف السنين شغلت أسرار الكون عقول الفلاسفة والحكماء والباحثين عن الحقيقة وظهرت عبر الحضارات القديمة نصوص وحكايات تتحدث عن قوانين خفية تحكم حركة الحياة وتربط بين الإنسان والطبيعة والكون ومن أشهر ما ارتبط بهذا التصور ما يعرف بألواح الزمرد المنسوبة إلى شخصية هرمس مثلث العظمة والتى أصبحت رمزا فى التراث الهرمسى للبحث عن الحكمة والمعرفة
وتنسب إلى هذا التراث سبعة مبادئ اشتهرت فى العصر الحديث باسم القوانين السبعة للكون وهى أفكار فلسفية وروحية وليست قوانين علمية مثبتة بالمعنى الذي تعرفه الفيزياء والعلوم الطبيعية
ويأتى فى مقدمة هذه المبادئ مبدأ العقل الذى يرى أن الكون يرتبط بفكرة الوعى وأن ما يدور في العالم يمكن النظر إليه من خلال الإدراك والفكر وهو تصور فلسفي قديم أثار اهتمام الكثير من المفكرين عبر العصور
أما المبدأ الثانى فهو مبدأ التشابه الذى يقوم على فكرة أن هناك أنماطا مشتركة بين المستويات المختلفة للوجود وأن فهم جزء من الصورة قد يساعد الإنسان على التأمل فى الصورة الأكبر
ويأتي بعد ذلك مبدأ الاهتزاز الذى يفترض أن الأشياء فى حالة حركة وتغير مستمر وأن الاختلاف بين صور الوجود يرتبط بدرجات مختلفة من الحركة وهو مفهوم رمزى وفلسفى لا ينبغي الخلط بينه وبين القوانين الفيزيائية الخاصة بالموجات والطاقة
ثم يظهر مبدأ القطبية الذي يتحدث عن وجود المتضادات مثل النور والظلام والحرارة والبرودة وأن فهم أحد الطرفين قد يساعد على إدراك الطرف الآخر وهو تصور يستخدم في كثير من المدارس الفلسفية والروحية
أما مبدأ الإيقاع فيشير إلى فكرة التغير الدوري في الحياة فهناك صعود وهبوط وبداية ونهاية وقوة وضعف ويستند هذا التصور إلى ملاحظة الإنسان لحركة الطبيعة وتعاقب الليل والنهار والفصول ومراحل الحياة
ويأتي مبدأ السبب والنتيجة ليؤكد أن الأحداث لا تحدث في فراغ وأن لكل نتيجة مقدمات وأسبابا تقود إليها وقد استخدم هذا المبدأ في الفلسفة القديمة والحديثة وفي تفسير كثير من الظواهر الإنسانية والطبيعية مع اختلاف مفهوم السببية بين الفلسفة والعلم
أما المبدأ السابع فهو مبدأ الجنس أو التكامل بين العناصر المتقابلة وهو مفهوم رمزي ظهر في الأدبيات الهرمسية ويرتبط بفكرة التفاعل والتكامل والتوليد وليس المقصود به المعنى البيولوجي المباشر وحده
وتكمن أهمية ألواح الزمرد في تاريخ الأفكار أكثر من كونها وثيقة علمية تثبت وجود قوانين سرية تتحكم في الكون فقد أصبحت هذه النصوص رمزا للبحث عن المعرفة والتحول الداخلي وربط الإنسان بفكرة وجود نظام شامل وراء مظاهر الحياة
وقد ساهمت الكتب والمذاهب الروحية الحديثة في نشر فكرة القوانين السبعة بصورة واسعة وربطتها بالنجاح والطاقة والتفكير الإيجابي وتحقيق الأهداف إلا أن هذه الاستخدامات تنتمي إلى مجالات الفكر الروحي والتنمية الذاتية ولا تمثل قوانين علمية مثبتة بالتجربة والقياس
وربما تكمن الرسالة الأهم في هذه الأفكار في دعوة الإنسان إلى التأمل في أفعاله وفهم نتائج اختياراته وإدراك أن طريقة تفكيره تؤثر في سلوكه وأن سلوكه يترك أثرا في حياته وفي علاقته بالآخرين
وبينما يظل سر ألواح الزمرد موضوعا مفتوحا أمام الباحثين في تاريخ الفلسفة والفكر فإن قيمة هذه الأسطورة الفكرية لا تتوقف عند البحث عن سر خارق للطبيعة بل تمتد إلى السؤال الأعمق الذى رافق الإنسان منذ القدم وهو كيف نفهم أنفسنا وكيف نفهم العالم الذى نعيش فيه
وفى النهاية تبقى القوانين السبعة المنسوبة إلى التقليد الهرمسى جزءا من تاريخ الفكر الروحى والفلسفى وليست بديلا عن القوانين العلمية التى تقوم على الملاحظة والتجربة والدليل وقد يكون أعظم سر فى هذه الحكاية هو أن الإنسان ظل يبحث عن مفتاح الكون بينما كان جزءا من هذا الكون نفسه
