JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

"ورد على فل وياسمين".. حين تنتصر واقعية الحياة على كليشيهات الحب

 


بقلم: أسماء عبده
لو سألت نفسك قبل مشاهدة المسلسل: هل أنا بحاجة إلى دراما جديدة عن الحب والفراق؟ فالأرجح أن الإجابة كانت ستكون: لا.
لكن بعد انتهاء الحلقات الخمس عشرة، ستكتشف أن "ورد على فل وياسمين" لم يكن يحكي عن الحب بالمعنى الذي اعتدنا عليه، بقدر ما كان يحكي عن أشخاص حقيقيين يعيشون ظروفاً حقيقية، وعن سؤال نادراً ما نتوقف أمامه: ما الذي يجعل إنساناً يترك أثراً في حياة إنسان آخر في الوقت الذي يكون فيه كل منهما في أمسّ الحاجة إلى الآخر؟
المسلسل، المعروض على منصة "شاهد"، يبدأ من مصادفة شديدة البساطة؛ تبادل هواتف بالخطأ بين شخصين لم يكن هناك أي سبب منطقي يجمعهما ليصبح تحول درامي رائع وتبادل خبرات الحياة وتجاربها بشكل خفيف لدرجة أنك لا تشعر بأن الوقت مر أثناء المشاهدة وكأنه فيلم خفيف وليس مسلسل.
إلهام (صبا مبارك)، امرأة مطلقة تعمل في صالون تجميل شعبي، وهي من ذلك النوع الذي تعلّم أن يتحمل الكثير من دون شكوى. وطارق (أحمد عبد الوهاب)، طبيب شاب ناجح من الخارج، لكنه يحمل في داخله فراغاً لم يعرف كيف يسميه. هذا التباين لم يتحول إلى مادة للكوميديا السطحية، ولم يصبح صراعاً طبقياً صاخباً، بل استخدمه السيناريو، الذي كتبه وائل حمدي وعمرو سمير عاطف، لتقديم قراءة هادئة للفوارق الاجتماعية من دون خطب مباشرة أو رسائل ثقيلة.
ومع دخول مرض اللوكيميا إلى مسار الأحداث، يتغير إيقاع العمل تدريجياً. ينتقل من خفة البدايات إلى مواجهة أكثر قسوة مع المرض والفقد، لكن من دون أن يقع في فخ استدرار الدموع أو المبالغة في شحن المشاعر، وهو ما منح العمل صدقاً نادراً.
ابطال خارج الإطار
إلهام.. البطلة التي لم تطلب شفقة أحد
إلهام ليست تلك الشخصية التي تنكسر لتستجدي تعاطف الآخرين. على العكس، فهي واحدة من هؤلاء الذين يتألمون بصمت، ويواصلون العطاء حتى في أكثر لحظاتهم هشاشة.
ورغم بساطة حياتها، امتلكت موهبة واضحة في عملها، وحوّلت صالون التجميل الصغير إلى مساحة تمنح الآخرين قدراً من الراحة والاهتمام. والأهم أن الألم لم يحولها إلى شخصية غاضبة أو راغبة في الانتقام. فعلى الرغم من الأذى الذي تعرضت له من طليقها، لم تسع إلى رد الإساءة بالإساءة، كما أنها لم تقابل أنانية شقيقتها بالمثل، بل ظلت تلتمس لها الأعذار حتى النهاية.
وحين دخل طارق حياتها، لم تبحث عن مصلحتها الشخصية أو عن شخص يحمل عنها أعباءها، بل حاولت إبعاده عنها، وكأنها كانت تخشى أن تثقل أحداً بما اعتادت حمله وحدها طوال سنوات. لقد أمضت سنوات طويلة تعمل بلا توقف، متجاهلة إشارات المرض التي كانت تتسلل إليها تدريجياً، حتى وصلت إلى مراحله الأخيرة.
وربما يمكن النظر إلى وجود طارق في أيامها الأخيرة باعتباره مكافأة متأخرة منحتها إياها الحياة؛ فرصة قصيرة لتذوق بعض الراحة والسعادة بعد سنوات طويلة من الصبر، قبل أن تنال راحتها الأخيرة.
طارق.. الناجح الذي كان يحتاج أن يتعلم كيف يرى
على السطح، يبدو أن طارق يمتلك كل شيء؛ طبيب ناجح، ومستقبل واضح، وعائلة مستقرة. لكن من الداخل، هو شخص يعيش قدراً كبيراً من السلبية. يطيع والده أكثر مما يختار لنفسه، ويعيش قصصه العاطفية في خياله أكثر مما يعيشها في الواقع، حتى إن أقرب أصدقائه كان طفلاً تعرّف إليه من خلال لعبة إلكترونية، في إشارة إلى ضيق دائرته الإنسانية رغم اتساع دائرة إنجازاته المهنية. ومع دخول إلهام إلى حياته، بدأ يكتشف جانباً آخر كان ينقصه طوال الوقت؛ أن يكون مسؤولاً عن شخص آخر، وأن يمنح جزءاً من وقته واهتمامه لإنسان يحتاج إليه.
ولعل أجمل ما قدمه المسلسل أن العلاقة بينهما لم تكن مجرد قصة حب، بل رحلة تبادل إنساني عميقة. لم يكن الأمر تبادلاً للهواتف بقدر ما كان تبادلاً للخبرات والمسؤوليات، وكأن كلاً منهما جاء ليمنح الآخر ما افتقده طويلاً، ويعيد رسم ملامح حياته بصورة أكثر اكتمالاً.
الحارة المصرية.. من دون تشويه
واحدة من أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها أن المسلسل قدّم البيئة الشعبية بعيداً عن الصورة النمطية المعتادة، التي تحصرها دائماً بين البلطجة أو الفقر المبالغ فيه. ظهرت الحارة المصرية بأهلها الحقيقيين؛ بجدعنتهم وتكافلهم وحضورهم الإنساني في محنة إلهام، من دون افتعال أو استعراض. وفي حد ذاته، يبدو هذا الاختيار موقفاً فنياً واضحاً تجاه الطريقة التي تُقدَّم بها البيئة الشعبية في كثير من الأعمال الدرامية الحديثة.
لغة الورود.. حين تتحول التفاصيل إلى حكاية موازية
لم يتوقف الحس الفني للمسلسل عند بناء الشخصيات وتطور الأحداث، بل امتد إلى واحدة من أجمل تفاصيله البصرية، وهي أسماء الورود التي صاحبت الحلقات. لم تكن مجرد لمسة جمالية، بل بدت وكأنها رحلة رمزية موازية لتطور الشخصيات نفسها.
يبدأ العمل بالورد البلدي، برائحته القوية وحضوره الواضح، في إشارة إلى تميز الشخصيتين وقوة حضورهما رغم اختلاف عالميهما. ثم يأتي التوليب، المرتبط بالأفراح والمناسبات السعيدة، بهدوئه وجماله الراقي، ليعكس لحظات السكينة التي بدأت تتسلل إلى حياتهما.
أما البنفسج، الذي كان طارق يتمنى وجوده منذ بداية المسلسل، فيحمل دلالة الهدوء النفسي والسلام الداخلي، وكأن النهاية تعيده إلى النقطة التي بحث عنها منذ البداية، ولكن بصورة أكثر نضجاً واكتمالاً.
وفي المقابل، تنتهي معاناة إلهام الطويلة، بينما يجد طارق قدراً من الاستقرار الذي ظل غائباً عن حياته لسنوات. إنها واحدة من تلك التفاصيل التي قد تمر من دون انتباه، لكنها تكشف عن حس فني عالٍ لدى صناع العمل، وعن رغبة واضحة في أن تحمل كل عناصر المسلسل معنى يتجاوز وظيفتها المباشرة.
أداء خالي من الضجيج
قدمت صبا مبارك واحداً من أكثر أدوارها صدقاً. ولم تكن جرأتها في مشاهد الانهيار، بل في ترك ملامحها تحكي المرض كما هو، من دون محاولة لإخفائه أو تجميله. أما أحمد عبد الوهاب، فأثبت مرة أخرى أن الهدوء في التمثيل ليس غياباً للحضور، بل حضور من نوع آخر؛ أكثر هدوءاً وأكثر تأثيراً.
كما أسهم حضور فدوى عابد وميمي جمال وسلوى محمد علي في ترسيخ واقعية العالم الذي تدور فيه الأحداث، فلم تبدُ الشخصيات مجرد خلفية للحكاية، بل جزءاً أصيلاً منها.
نهاية رفضت أن تكذب
اعتمد المخرج محمود عبد التواب على لغة بصرية بسيطة وفعالة؛ دفء ألوان صالون التجميل في مقابل برودة المستشفى وحيادية جدرانه. أما النهاية، التي شهدت وفاة إلهام ثم القفز أربع سنوات إلى الأمام ليكمل طارق حياته ويتزوج، فقد أزعجت كثيرين ممن كانوا ينتظرون معجزة الشفاء المعتادة. لكن هذا بالتحديد ما منح العمل قيمته الأكبر.
فالمسلسل لم يحاول مجاملة جمهوره أو بيع وهم النهاية السعيدة، بل اختار أن يكون وفياً للحياة كما هي. قال ببساطة إن الحزن لا يوقف الزمن، وإن الذين نحبهم يتركون فينا أثراً يغيرنا ويعيد تشكيلنا، لكنه لا يمنعنا من الاستمرار. فالاستمرار ليس خيانة للفقد، بل هو الطريقة الوحيدة التي يكمل بها البشر حياتهم.
و ختاما
لم يراهن "ورد على فل وياسمين" على الإبهار أو المفاجآت الكبيرة، بل راهن على أن يرى المشاهد نفسه في أشخاص يشبهونه، وفي تفاصيل يعرفها جيداً. وربما لهذا السبب ترك أثراً واضحاً؛ لأنه لم يحاول التأثير بأي ثمن، واكتفى بأن يكون صادقاً. وفي رأيي المتواضع، هذا هو أصعب رهان يمكن أن تخوضه الدراما، وربما يكون أيضاً أنبل ما يمكن أن تفعله كاميرا.

author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة