JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

حين يتكلم الغياب

 



في زوايا الروح التي لا تبلغها أضواء اليقين، يجلس الإنسان وحيداً أمام مرآةٍ مكسورة، يحاول أن يلمّ شتاته من بين الشظايا. وحين تثقل عليه الأسئلة، لا يجد من يُجيبه إلا صدى نفسه المتعبة. فيتعلّم — ببطءٍ موجع — أن الحقيقة لا تُستجلى من فم من أساء، بل من قلب من صبر وأحسن. هذه ليست مجرد كلمات؛ بل هي وصية روحٍ مرّت بالنار ولم تحترق، وإن كان الدخان قد خيّم طويلاً.
لا تسألوا الذئبَ عن الجرح،
فقد برّأ نفسَه قبل أن تنطق الشفاه.
اسألوا الذي نزف في صمت، وابتسم في ألم.
لا تسألوا الخائنَ عن معنى الوفاء،
فقد أفرغ الكلمات من روحها حين لفظها.
اسألوا الذي أوفى حين كان الغدر أسهل،
وقدّر حين كان الجحود أيسر.
لا تسألوا كاسرَ الكأس عن العطش،
فقد نسي طعمَ الماء منذ أن نسيَ طعمَ الضمير.
اسألوا الذي ملأ الكأسَ بيدين مرتجفتين،
ومضى يسقي العطشى دون أن ينتظر شكراً.
حين تاهت خطاي في دروب نفسي،
لم أسأل الزمان — فقد كان شاهداً صامتاً،
ولم أسأل الناس — فقد كانوا هم سبب الضياع.
سألتُ الضياعَ نفسه، كأنه يعرفني أكثر مما أعرف ذاتي.
فأجاب بصوتٍ يشبه صدى بئرٍ عميقة:
"تُهتَ حين تلوّنت الوجوه من حولك كالمرايا المخادعة،
وتبدّلت القلوب كما يتبدّل الفصل دون أن يُؤذن له.
وحين داهمتك أحداثٌ لم تكن في حساب أحلامك،
وسقطت في فخاخ لم تنصبها لنفسك."
فأين أنتَ الآن؟
هل لا تزال تبحث، أم أنكَ بدأتَ — أخيراً — تجد؟
ربما كان الضياع ليس نهايةً، بل بوابة. بوابةٌ ضيّقة موجعة، لكنها تُفضي إلى ساحةٍ أرحب من كل ما عرفناه. حين تخذلنا الوجوه وتتبدّل القلوب، لا يبقى أمامنا إلا خيارٌ واحد: أن نعود إلى أنفسنا، لا كما كنّا، بل كما ينبغي أن نكون. والإنسان الذي مرّ بالخيانة ولم يصبح خائناً، وبالكسر ولم يصبح كاسراً، هو الإنسان الذي ربح نفسه حتى حين خسر كل شيء.
فلا تسأل من أضاعك — اسأل نفسك: كيف تجد طريقك إلى ذاتك من جديد؟
أبو سلمى
مصطفى حدادي.

NameE-MailNachricht