مازلنا نتابع حديثنا عن فداء الأسرى ..
من بين الأسرى فى بدر : {{ سهيل بن عمرو }} ، وكان خطيب مكة ، وأشدهم عدواة على الإسلام ، فوقع سهيل بن عمرو أسيرا بأيدي المسلمين فى غزوة بدر كافراً ، فقال عمر بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا رسول الله ، دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو (( أسنانه )) ، حتى لا يقوم عليك خطيبا بعد اليوم " .. فأجابه رسول الله : "لا أمثل بأحد ، فيمثل الله بي ، وإن كنت نبيا " ، ثم أدنى عمر منه وقال : "يا عمر ، لعل سهيلاً يقف غدا موقفاً يسرك" ..
فلما كان يوم فتح مكة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة : "يا معشر قريش ، ما تظنون أني فاعل بكم ؟" فأجابه سهيل بن عمرو قائلا : "نظن خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم" فأجابه الرسول الكريم ، وقال : "اذهبوا فأنتم الطلقاء" ..
__________________________________________________________________________
يقول سهيل بن عمرو : "وأرسلت إلى النبى ، إبني عبد الله بن سهيل ((وهو من جنود الجيش الإسلامي الفاتح)) ، أن يطْلب لي جوارًا من محمد ، وإني لا آمن من أن أُقتَل" ، وقد ظل سهيل بن عمرو يتذكر تاريخه السابق فيقول : "فليس أحد أسوأ أثرًا مني أني لقيت الرسول يوم صلح الحديبية بما لم يلقه أحد ، وكنت الذي كاتبته" ، (( يعني هذه المعاهدة التي تمت في صلح الحديبية ، وكان سهيل بن عمرو ممثل قريش الذي فوضته للتفاوض مع رسول الله ، فتعامل مع النبى بجفاء واستعلاء ، ووضع شروطا للصلح أثارت غضب الصحابة ، ويعلم أن الرسول ، سوف يتذكر له هذه المواقف )) ، ثم يقول سهيل بن عمرو : "وأيضا مع حضوري بدرًا وأُحُدًا ضد المسلمين" ..
ذهب عبد الله بن سهيل إلى الرسول فقال : يا رسول الله ، تُؤَمِّنه؟.. فقال النبى : "نَعَمْ ، هُوَ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ فَلْيَظْهَرْ ..
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : من لقي منكم سهيل بن عمرو في الطريق ، فلا يحدّ النظر إليه ، فإنه رجل حيي (( يعني رجل يستحي )) ، ولا يتكلم أحد عليه بكلمة ، ولا يعلق عليه أحد تعليقا سلبيا بأى صورة من الصور ، فإن له عقلا وشرفا .. هذه شهادة النبي في معدنه الحقيقي ، فى جوهره خلافا لمظهره ..
وانطلق عبد الله بن سهيل إلى أبيه ليخبره بعفو الرسول عنه ، فلما ذكر له هذه الكلمات التى قالها الرسول فى حقه ، قال سهيل : "كان والله بَرًّا صغيرًا وكبيرًا" ، وتوجه سهيل بن عمرو إلى الرسول ، وأسلم بين يديه ..
__________________________________________________________________________
وجاء فى أغلب الروايات ، أن الناس خرجوا إلى حنين بعد فتح مكة ، وخرج معهم سهيل وهو ما زال على كفره ، وأعطاه النبى يومها ، مائة من الإبل من غنائم الغزوة فى المؤلفة قلوبهم ..
وعمر بن الخطاب يقول : متى أرى له موقفاً؟؟..
وأن سهيل أسلم بعد حنين وحسن إسلامه ، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم حاجاً حجة الوداع ، فكان سهيل هو الذي يقرب للنبي بدنه ، [[ اي النحر ]] .. فقرب له {{ ٦٣بدنا }} ، والنبي صلى الله عليه وسلم ينحرها بيده ، حتى إذا أتم نحرها ، قال : قم يا علي وأتمم المئة .. ويجلس سهيل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، والحلاق يحلق رأس النبي ، والنبي يعطي شعره {{ لأبي طلحة الأنصاري }} ، ويقول له : قسِّمه بين أصحابنا ، فكان نصيب الصحابة ، من أخذ شعرتين أو ثلاث ، أما سهيل فكان كلما وقعت شعرة من النبي على الأرض ، أخذها عن الأرض ثم قبَّلها ووضعها على عينيه ، ثم أعطاها لأبي طلحة ..
وهكذا أسلم سهيل بن عمرو ، ثم حسن إسلامه .. عن سعيد بن مسلم ، قال : لم يكن أحد من كبراء قريش الذين تأخر إسلامهم فأسلموا يوم الفتح ، أكثر صلاة ولا صوماً ولا صدقة ، ولا أقبل على ما يعينه من أمر الآخرة ، من سهيل بن عمرو ، حتى إنه كان قد شحب وتغير لونه ، وكان كثير البكاء ، رقيقاً عند قراءة القرآن ..
__________________________________________________________________________
وتمضي الأيام ، وينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، ويستخلف أبو بكر الصديق ، وطار الخبر إلى مكة فوقعت البلبلة في صفوف مسلمي مكة ، لما رأت قريش من ارتداد العرب ، واختفى عتاب بن أسيد الأموي ، أمير مكة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقام سهيل بن عمرو خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال ما قاله أبو بكر من قبل ، تلا قوله تعالى : {{ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين }} ، ثم قال : من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت .. ثم قال :
أما والله ، إني لأعلم بأن دين الله سيبلغ مشرقه ومغربه ، وأن الله متم نوره ، ولقد جمع الله أمركم على خيركم ألا وهو الصديق ، الذي أثبت الله صحبته لنبينا بنص قرآني ، ألم يقول الله تعالى : {{ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا }} ، ففاز بمعية الله ورسوله ، من دون أصحاب النبي .. فيا معشر قريش ، لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد ، والله إن هذا الدين ليمتدن امتداد الشمس والقمر من طلوعهما إلى غروبهما ، فامضوا على ما أنتم عليه [[ اي على دين الإسلام ]] ، فوالله الذي لا إله إلا هو ، ومن بعث محمداً نبياً ، ما ارتد رجل في مكة إلا ضربت عنقه (( وسل سيفه )) ، فأجمعت مكة كلها على الإسلام ..
__________________________________________________________________________
فكان ل{{ سهيل بن عمرو }} ، دورا بارزا فى منع مكة من الردة .. ووصل الخبر إلى المدينة ، وعلم أبو بكر الصديق أن مكة كادت أن ترتد عن الإسلام ، فحملها على الثبات {{ سهيل بن عمرو }} ، وقام فيهم خطيباً وقال كذا وكذا ، وسل سيفه مهدداً بضرب عنق كل من يرتد عن الإسلام ..
فنظر الصديق إلى عمر ، وقال : ها يا عمر؟؟ ، هل جاءك خبر النبي صلى الله عليه وسلم؟؟..
فبكى عمر وقال : أشهد أنه رسول الله حياً وميتاً ، وتذكر قول النبى : {{ لا يا عمر لا أمثل بأحد ، فيمثل الله بي ولو كنت نبياً ، وما يدريك لعل سهيل يقف في يوم من الأيام موقفاً يسُرك }} .. فلو كان عمر خلع ثنيتي سهيل أى أسنانه ، فكيف يتسنى له أن يوضح الكلام ، فى خطابه الذي جعل الناس ترتعد في مكة؟؟..
وخرج سهيل بن عمرو إلى الشام مع جيوش المسلمين ، مشاركا في حروبها ، وكانت معركة اليرموك عام ١٥ من الهجرة (( بعد وفاة الرسول بأربع سنوات )) .. حيث خاض المسلمون موقعة تناهت في الضراوة والعنف والمخاطرة ضد الروم ، (( الإمبراطورية البيزنطية )) ..
فكانت أول موجة انتصارات للمسلمين خارج الجزيرة العربية ،
وكان سهيل بن عمرو يكاد يطير من الفرح ، إذ وجد هذه الفرصة سانحة أمامه ، لكي يبذل من ذات نفسه في هذا اليوم العصيب ، ما يمحق به خطايا جاهليته وشركه ..
وبالرغم من أنه كان يحب وطنه ((مكة)) ، حبا ينسيه نفسه ..
إلا أنه مع ذلك ، أبى أن يرجع اليها بعد انتصار المسلمين بالشام وقال : "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : مقام أحدكم في سبيل الله ساعة ، خير له من عمله طوال عمره ..
وإني لمرابط في سبيل الله حتى أموت ، ولن أرجع إلى مكة".. !!
ووفى سهيل عهده ، وظل بقيّة حياته مرابطا ، حتى جاء موعد رحيله ، فمات فى طاعون عمواس (( وهو طاعون وقع فى الشام فى أيام خلافة عمر بن الخطاب سنة ١٨ هجرية )) ، وطارت روحه مسرعة إلى رحمة من الله ورضوان ..
_________________________________________________________________________
وكان من بين أسرى بدر أبو عزة الشاعر ، واسمه (( عمرو بن عبد الله الجمحى )) .. وهو رجل من شعراء قريش ، وكان يؤذي المسلمين بشعره كثيراً ، ووقع بالأسر يوم بدر ولكنه كان فقيرا ، فنظر للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا محمد ، تعلم عيلتي وكثرة عيالي (( العيلة هي الفقر )) ، من للصبية يا محمد؟؟.. فامنن علىَّ جُزيت خيراً ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : نمُن عليك [[ أي أن يُطلق بلا فداء ]] ، شريطة ألا تحرك علينا بشعرك ابداً ، [[ أى لا تقول فينا شعرك ، لاستعداء الناس علينا ]] .. ولا تسل سيفك في وجهنا بعد اليوم ابداً ، قال : لك ذلك يا محمد ، وأقسم على ألا يستعمل لسانه ولا سيفه ضد المسلمين ، وعاد إلى أهله آمنا سالماً ، وذكرها يد بيضاء للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأخذ يتحدث بها في مكة ..
فما أن أتم الحول [[ أي العام ]] ، حتى خرجت قريش لتأخذ بثأرها يوم غزوة أحد ، فكان {{ أبو عزة الشاعر }} ، أول من حرَّك الناس بشعره ضد المسلمين ، وخرج أيضا إلى المعركة ..
وبعد أن اختلَّت المعركة ، (( وليس حديثنا عن أُحُد الآن ، ولكن أتناول موطن الشاهد فقط ، بعد أن اختل ميزان المعركة فى أحُد )) ، وهرب الأسرى من يد المسلمين ، وألقوا ما بأيديهم من غنائم ، وذلك لأن الرماة خالفوا أوامر النبي ، فانقلب ميزان المعركة ولم يقع في أيدي المسلمين أي أسير .. وفي اليوم الثاني ، وكان ما زال الصحابة يضمدون جراحهم ، أمر النبى بلال أن ينادي على باب المسجد : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليخرج في أثر قريش ، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس ..
فخرج الصحابة ودمائهم تنزف ، وسنأتي على ذلك بالتفصيل ، فلما سمعت قريش بخروج المسلمين فى أثرهم هربوا مسرعين ، فأدرك الصحابة فلولهم في حمراء الأسد لأمر يريده الله ، فأمسك بعض الصحابه {{ بأبي عزة الشاعر }} ، وأتوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : هذا أبو عزة يا رسول الله ..
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه ، وقال : أين عهدك يا أبا عزة؟؟!! ، ألم نمنن عليك لقاء عهداً ، بأن لا تحاربنا ولا تحرض علينا؟! ، قال : معذرةً وعفواً ، يا محمد أمنُن علىَّ ولن أعود إليها ابداً .. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا والله لا تمسح عارضيك بمكة ، وتقول خدعت محمداً مرتين (( العارضان والعارضتان : صفحتا الخد ، وقيل : مسحهما كنايةٌ عن الزهو والاستخفاف )) .. وجاء فى بعض الروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له :
{{ لا يُلْدَغُ المؤمِنُ مِن جُحْرٍ مَرّتَين }} .. إضرب عنقه يا علي ، (( وقيل رجل من الأنصار )) ، فضرب عنقه ..
__________________________________________________________________________
ويكفي أن نعرف ، أنّ الآية التي ذمّت الشعراء (من سورة الشعراء) الذين يهيمون بكلّ وادٍ ، نزلت في أبي عزّة وأمثاله من شعراء المشركين ، قال تعالى :
﴿{ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ☆ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ☆ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ☆ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ☆}}
فمن ظاهر معنى الآية ، أن أغلب الشعراء هكذا ، يقولون ما لا يفعلون وفي كل واد يهيمون ، أى تراه يتكلم هنا أو هنا بغير حقيقة ، بل أشياء يتخيلها ثم يتكلم فيها ، أو يكذب لحاجات في نفسه ، أو لأسباب أخرى كفائدة تعود عليه ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ استثناهم الله جل وعلا ، فهم الذين أشعارهم طيبة ومفيدة ، كـحسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكعب بن مالك ، وعبدالله بن رواحة ، وغيرهم من شعراء المؤمنين ، ثم من بعدهم في عهد التابعين ، وعهد أتباع التابعين إلى يومنا هذا ..
يتبع إن شاء الله ، مع آخر نموذج في فداء الأسرى ..
_____________ #الأنوار_المحمدية _________________
___________ صلى الله عليه وسلم _

