بقلم داليا سمير شحاتة
ليس النضج أن تصبح أقل إحساسًا، ولا أن تتقن فن الغياب، بل أن تظل نقيّ القلب، رغم كل ما مرّ بك من عتمة.
أن تتعلم كيف تمنح دون أن تستنزف روحك، وكيف تحب دون أن تجعل من قلبك وطنًا لمن لا يعرف قيمة الأوطان.
في مرحلة ما، لا يعود الإنسان منشغلًا بتفسير ما حدث، ولا بمحاسبة الذين عبروا حياته وتركوا فيها ندوبًا؛ إذ يدرك أن بعض الخسارات لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية اكتشافه لنفسه.
يتوقف عن طرق الأبواب التي لم تُفتح، لا كبرياءً، بل لأن روحه لم تعد تقبل أن تستجدي مكانًا كان ينبغي أن يُمنح لها بمحبة.
ويفهم أن العطاء لا يعني أن يفرغ من نفسه، وأن التسامح لا يفرض عليه العودة إلى مواضع الأذى، وأن الطيبة لا تعني التنازل عن حقه في السلام.
ثم يحدث التحول الأجمل؛ حين يكف عن انتظار العوض في صورة بعينها، ويترك للقدر مساحة كي يفاجئه بما لم يخطر له على قلب.
يطمئن إلى تدبير الله، لا لأنه عرف كيف ستنتهي الحكاية، بل لأنه أدرك أن رحمة الله أوسع من مخاوفه، وأن ما لم يُكتب له لن تنقص به قيمته.
وهكذا يعود إلى نفسه، لا كما كان قبل التجربة، بل أكثر وعيًا، وأعمق بصيرة، وأقل خوفًا من الرحيل.
فبعض النجاة لا تأتي حين يعود إلينا من فقدناهم، بل حين نعود نحن من غيابنا الطويل عن أنفسنا.
