بقلم الإعلامية نادين نبيل عبد الله أبو صالحه.
في العصر الجاهلي، كانوا يدفنون الميت ويدفنون معه طعامه وشرابه وذهبه، ظناً منهم أنه سيحتاجه في حياة أخرى.
اليوم، نحن لا ندفن الموتى مع طعامهم نحن ندفن أنفسنا ونحن أحياء.
صرنا نخزّن الطعام لسنوات، ونكدّس القمح والزيت والسكر في المخازن وتحت الأرض، خوفاً من غدٍ لا نعرفه. وكأننا نجهز قبورنا بأيدينا، ونضع فيها المؤنة، ثم نجلس فوقها ننتظر الموت.
المفارقة المؤلمة أننا قد نموت ونحن مدفونون تحت الأرض، وتحت ركام ما خزّناه. قد نموت قبل أن نأكل ما ادّخرناه. لأن علم الموت عند رب العالمين وحده، وليس عند حاكم ولا تاجر ولا صاحب مخزن.
نحن اليوم نُخرّب الأرض بأيدينا. نُفسد التربة، نلوّث الماء، نقطع الأشجار لنبني المخازن، ونصنع الحروب لنبرر التخزين. ثم نقول: هذا قدر! لا، هذا ليس قدراً. هذا شيء مفتعل من عند الإنسان.
عدنا إلى العصر البدائي، إلى العصر القديم، بدل أن نمنع وقوع هذا الشيء. بدل أن نقول: كفى.
التخزين بهذا الشكل ليس حكمة، بل هو خوف جماعي صار مرضاً. الخوف يولّد الجشع، والجشع يولّد الاحتكار، والاحتكار يولّد الجوع. وهكذا ندور في حلقة مفرغة، نحن من صنعها ونحن من يدفع ثمنها.
يوسف عليه السلام خزّن القمح لينقذ شعبه من المجاعة، لا ليخيفهم. أما نحن، فنخزّن القمح لنخيف بعضنا بعضاً.
السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا اليوم:
هل نريد أن نعيش؟ أم نريد أن ندفن أنفسنا أحياء؟
الحل ليس في مزيد من المخازن، بل في مزيد من الوعي. في أن نمنع هذا الجنون قبل وقوعه. في أن نزرع، لا أن نكدّس. في أن نتشارك، لا أن نحتكر. في أن نثق أن الرزق بيد الله، وأن الأرض إذا أُحسن إليها، ستعطينا ما يكفينا.
نحن لسنا في الجاهلية الأولى، لكننا إن بقينا على هذا الطريق، سنكون في جاهلية أخطر: جاهلية نعرف فيها الحقيقة، ونختار أن ندفنها مع طعامنا تحت الأرض.
