---حزين عمر
نجوم الظل ..يقاومون الفناء !!
سيبويه وحسني وعبدالعليم..صامدون !!
----------------------------------------------
الخلود ليس قرارا رسميا .. ففي صفحات التاريخ أمام كل فنان أو أديب أو عالم ينتمي للقصور وللنفوذ هنالك عشرة من أمثاله ينتمون للناس ؛ للبسطاء؛ للكادحين..وقد حفظت الذاكرة الجمعية مئات من هؤلاء وخلدتهم ..ابتداء من "تأبط شرا" ومجموعة الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ؛ ثم "عصبة المجان": والبة بن الحباب ومسلم بن الوليد ويشار بن برد وديك الجن وأبونواس في العصر العباسي ؛ تلاهم سيبويه المصري وابن لنكك والأسعد بن مماتى ..حتى عصرنا الحاضر: بأدبائه وفنانيه : عبد الحميد الديب وإمام العبد وزكريا الحجاوي وخضرة محمد خضر وأمل دنقل ونجيب سرور وأحمد فتحي ومحمد طه ..وانتهاء بحسني عامر وعبدالعليم إسماعيل وفاطمة بدر !!
هم جميعا أصحاب القرار في مقاومة الفناء والتجاهل والنكران والتعتيم !! ووسيلتهم لم تكن طرق أبواب القصور ومديح السلطان والملك والأمير ؛ وجني صرر الدنانير والريالات ..وسيلتهم التعبير عن روح البشر وصمود الإنسان وقيم الحق وملامح الجمال و الجلال .. وحتى في حالات سوئهم وسخطهم هم بشر : لا شياطين ولا ملائكة !!
سلطة الإبداع
والواعون من هؤلاء الأدباء والفنانين يدركون أنهم لا يملكون مفاتيح الخلود فحسب ؛ بل لديهم سلطة الحكم على الحكام أنفسهم !! فما يبدعه هؤلاء بشأن حكام زمنهم هو غالبا ما يبقى من هؤلاء الحكام !! ولنتذكر معا ما يشيع عن بهاء الدين قراقوش نائب صلاح الدين الأيوبي في حكم مصر - أو وزيره - فنذكر له أنه منع المصريين من أكل الملوخية !! وجعل ليلهم نهارا ونهارهم ليلا !! بأن فرض عليهم العمل ليلا والراحة نهارا!! ولم يكن الأمر سوى مقولات للأديب (الأسعد بن مماتى) في كتابه (,الفاشوش في حكم قراقوش) الذي يحرض فيه صلاح الدين على وزيره !! وقد ذهبت كل إنجازات قراقوش وبقي تحريم الملوخية !!
وعلى الرغم من حياة الضنك التي عاشها (سيبويه المصري) بعيدا عن الأمراء والحكام في الدولة الإخشيدية فإن سيرته لم يلتهمها الفناء ..كان الرجل معارضا سياسيا بالمعني الحديث ؛ ووظف عمله كفقيه وواعظ في مواجهة السلطة ..لكنه كان أذكى من معارضي زمننا هذا !! فادعى البلاهة والغباء؛ حتى "يمرر" ما يريده من رسائل!! وراح يسب كافورالإخشيد ويلعنه علانية وعلى رؤوس الأشهاد!! والناس تلتف حوله ضاحكة جزلة ؛ لأنه يصرح بما يضمرون وما يخشون !!
في يوم جمعة كان سيبويه يتجول ممتطيا حماره ؛ فرأى الناس محتشدين حول موكب الإخشيد ؛ فتوسط الجموع وصاح: هذا الأصلع البطين؛ المسمن البدين؛ قطع الله منه الوتين ؛ ولا سلك به ذات اليمين!! أما كان يكفيه صاحب ولا صاحبان ؛ ولا حاجب ولا حاجبان؛ ولا تابع ولا تابعان؛ ؟!! لا قبل الله له صلاة ؛ ولا قبل له زكاة؛ وعمر بجثته الفلاة!!
ماذا تظنون الإخشيد فاعلا به ؟!! لم يقطع لسانه ولا اجتز رقبته !! بل استغرق في ضحك طويل كما يضحك الآخرون !!
حسني وإخوته !!
والقاعدة نفسها تنطبق على زمننا : الإبداع لا السلطة يخلد صاحبه.. ونرى أمثال حسني عامر وعبد العليم إسماعيل يراهنون على هذه الحقيقة..فحسني عامر يمتلك خامة صوتية أشبه بصوت عبدالحليم حافظ: مشحونة بالمشاعر ؛ معبأة بالشجن؛ تحسن أداء المعني لا مجرد الألفاظ ..وهو مع صوته المعبر هذا يمتلك زمام الموسيقى ويجيد تلحين أعماله..وهو كذلك فنان مثقف : مدرس للغة الإنجليزية .. وكان باستطاعته أن يعيش حياة مرفهة بمهنته وتخصصه هذا ؛ كما يفعل غيره ..لكنه آثر خوض الصعب من الحياة : الإخلاص لفنه واحترام موهبته ..فعكف على انتقاء الكلمة الراقية : شعرا وزجلا ..وراح يصوغها : لحنا وصوتا؛ غناء عذبا آسرا أخاذا ..سواء أكان غناء عاطفيا أم صوفيا أم وطنيا ..ولأنه يملك الوعي والقيمة والرقي فقد انحصرت دائرة جمهوره في أوساط المثقفين الذين يفرزون الذهب من الصفيح !! ولم تأخذه مظاهر الشهرة والمال والصخب التي غرق فيها كثيرون من تلاميذه وممن هم دونه في كل شىء ..وحسني وأضرابه يقفون حراسا للذائقة القويمة أمام سيل السموم التي يبثها نهيق الحمير عبر المهرجانات !!
أما عبدالعليم إسماعيل فيحفر اسمه بإبرة في صخرة صلدة !!لا يملك من متاع الدنيا إلا موهبة أنضجتها صعوبات الحياة واختبارات الألم ..منذ أن ورد إلينا ؛ في جماعة الجيل الجديد؛من قنا - كنز الموهوبين - وقد اتخذ من الشعر ؛ والشعر وحده؛ قبلة يتجه إليها ..فأعد للشعر عدته: سماعا للنقد بإمعان ؛ قراءة متأنية فاحصة ؛ ثم درسا منهجيا متخصصا من خلال دار العلوم ..وقد ظل سنين مستمعا حتى إذا نطق نطق شعرا سويا عذبا هامسا ؛ لا يأتيه اللغو أو الحشو من بين يديه ولا من خلفه ..وإذا أردت أن تسمع عبدالعليم فاسمعه بقلبك ثم عقلك ؛ لا بأذنيك .
وعلى الرغم من أنه مقل جدا ؛ كأنما يضن بشعره على زمننا هذا ؛ فإنه يأسرك من أول قصيدة ؛ وربما من أول مقطع ..في ظل طوابير من الأدعياء والزاعقين والمنادين على الخضروات والفواكه ويظنون نداءاتهم شعرا!
