JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

التاريخ من وراء الستار

 


بقلم / محمد مصطفى كامل

محمد الفاتح ، السلطان الذي أسقط القسطنطينية وغيّر وجه التاريخ

كيف حوّل شاب في الحادية والعشرين حلمًا عثمانيًا قديمًا إلى حقيقة، وأنهى حكم إمبراطورية صمدت أكثر من ألف عام؟

في صباح التاسع والعشرين من مايو سنة 1453م، لم تكن القسطنطينية تستيقظ على يوم عادي من أيامها الطويلة.

كانت المدينة التي صمدت أمام حصارات لا تُحصى تقف على حافة النهاية. خلف أسوارها رجال أنهكهم القتال، وإمبراطور يدرك أن عاصمته قد تكون آخر ما تبقى من إمبراطوريته، وعلى الجانب الآخر جيش عثماني ينتظر اللحظة التي تتحول فيها الثغرات الصغيرة في الجدران إلى أبواب مفتوحة على التاريخ.

لم يكن محمد الثاني قد جاء إلى أسوار المدينة مصادفة، ولم يكن فتحها نزوة سلطان شاب أراد أن يخلّد اسمه بين الفاتحين.

لقد ورث حلمًا عثمانيًا قديمًا، ورث معه دولة أنقذها جده محمد الأول من التفكك، وأعاد والده مراد الثاني بناء قوتها العسكرية والسياسية. لكنه أدرك أن ما عجز عنه أسلافه لن يتحقق بتكرار محاولاتهم، وأن المدينة التي أوقفت جيوشًا كثيرة تحتاج إلى عقل يغيّر طريقة الحرب قبل أن يطلق أول سهم.

كانت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، التي ارتبط مركزها الإمبراطوري بعهد قسطنطين الكبير، وظلت قرونًا طويلة واحدة من أعظم مدن العالم، ومركزًا للسياسة والتجارة والدين والثقافة.

نجت من حصارات كثيرة، وصمدت خلف أسوارها أمام جيوش جاءت من الشرق والغرب، حتى أصبحت في الذاكرة العسكرية رمزًا للمدينة التي يصعب كسرها.

لكن الزمن كان يتغير، والدولة العثمانية كانت تقترب منها أكثر فأكثر.

وفي عام 1453م، لم يكن السؤال: هل يستطيع العثمانيون الوصول إلى القسطنطينية؟

بل أصبح السؤال: هل يستطيع محمد الفاتح أن يفعل ما عجز عنه أسلافه؟

أولًا: عرش عاد إلى صاحبه… لكن صاحبه لم يعد طفلًا

في فبراير سنة 1451م، توفي السلطان مراد الثاني، وانتقل الحكم إلى ابنه محمد للمرة الثانية.

لم يكن محمد غريبًا عن العرش؛ فقد تولاه طفلًا سنة 1444م، حين تنازل له والده عن الحكم لفترة، قبل أن يعود مراد إلى السلطنة سنة 1446م بعد اضطرابات سياسية وعسكرية هددت الدولة.

لكن عودة محمد سنة 1451م كانت مختلفة تمامًا.

فقد عاد هذه المرة شابًا في نحو التاسعة عشرة من عمره، يحمل تجربة مبكرة مع الحكم، وشاهدًا على صراعات القصر، وتقلبات التحالفات، وخطورة أن يترك السلطان جبهة مفتوحة بينما يواجه أخرى.

كان قد رأى كيف يمكن أن تتحول أزمة داخل الأسرة الحاكمة إلى تهديد للدولة كلها، وكيف تستطيع القوى المحيطة استغلال أي ضعف في انتقال السلطة.

والأهم أنه ورث دولة لم تعد هي الدولة التي تركها محمد الأول بعد معركة أنقرة.

فجده أعاد جمع أشلاء السلطنة بعد هزيمة بايزيد الأول أمام تيمورلنك، ونجح في إنهاء صراع الأمراء وإعادة بناء مركز الحكم. ثم جاء مراد الثاني، فثبت أقدام الدولة في الأناضول، ووسع نفوذها في البلقان، وخاض حروبًا كبرى أعادت للجيش العثماني خبرته وثقته.

وهكذا لم يكن محمد يبدأ من الصفر.

كان يرث دولة أكثر تماسكًا، وجيشًا خبيرًا، وموارد أوسع، وتجربة عسكرية امتدت عبر جيلين.

ومع ذلك، لم يكن الطريق أمامه خاليًا من المخاطر. فإمارة قرمان في الأناضول ظلت مصدر قلق، والمجر والبندقية تراقبان التوسع العثماني، بينما كانت بيزنطة تنتظر أي خلاف داخل الأسرة العثمانية لتستعيد بعض ما فقدته من نفوذ.

لذلك بدأ محمد بتأمين جبهاته، وترتيب علاقاته مع القوى المحيطة، حتى لا يجد نفسه في مواجهة تحالف واسع بينما يستعد لحصار القسطنطينية.

كان يعرف أن المدينة لا تُفتح بمجرد الوصول إلى أسوارها.

فأول شروط الانتصار عليها أن تُعزل عن العالم الذي يمكن أن ينقذها.

ثانيًا: القسطنطينية… مدينة تملك مفاتيح البحرين والقارتين

كانت القسطنطينية في عهد الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر باليولوج، آخر أباطرة الدولة البيزنطية.

لكن الإمبراطورية التي حكمها لم تعد تلك القوة الواسعة التي فرضت نفوذها على شرق البحر المتوسط قرونًا طويلة.

تقلصت أراضيها، وانكمشت مواردها، وأصبحت المدينة نفسها أهم ما بقي من سلطانها، إلى جانب ممتلكات محدودة في مناطق أخرى.

كانت الإمبراطورية تعيش على إرث الماضي أكثر مما تستند إلى قوة الحاضر.

ومع ذلك، ظلت القسطنطينية مدينة استثنائية.

فأسوارها البرية الشهيرة، المعروفة بأسوار ثيودوسيوس، كانت تتكون من خطوط دفاعية متتابعة، وخنادق وأبراج، صُممت لتجعل اقتحام المدينة مهمة بالغة الصعوبة.

أما أسوارها البحرية، فكانت تحميها من جهات بحر مرمرة والقرن الذهبي.

وكان القرن الذهبي ميناءً طبيعيًا عميقًا، يمثل ميزة دفاعية وتجارية كبيرة، إذ أمكن إغلاق مدخله بسلسلة حديدية ضخمة تمنع السفن المعادية من الدخول.

لكن قوة المدينة لم تكن في أسوارها وحدها.

فموقعها على مضيق البوسفور جعلها تتحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يصل البحر الأسود ببحر مرمرة، ويفصل بين الأناضول والروملي.

كانت القسطنطينية تقف بين قارتي آسيا وأوروبا، وتتحكم في طرق التجارة والانتقال بينهما.

ولهذا لم تكن مجرد عاصمة بيزنطية تحاصرها دولة مجاورة.

كانت عقدة جغرافية وسياسية وعسكرية، والسيطرة عليها تعني أن الدولة العثمانية ستصبح صاحبة اليد العليا في واحد من أهم الممرات بين الشرق والغرب.

وكان محمد يدرك أن بقاء المدينة خارج سلطته سيظل مصدر تهديد دائم؛ فهي تستطيع أن تتحول إلى مركز للتدخل في شؤون العثمانيين، أو نقطة ارتكاز لأي تحالف يسعى إلى وقف تمددهم.

لكن المدينة لم تكن بلا حلفاء.

فالبندقية وجنوة كانتا تملكان مصالح تجارية وبحرية في المنطقة، وكانت القوى الأوروبية تنظر إلى مصير القسطنطينية باعتباره جزءًا من التوازن السياسي والديني في شرق البحر المتوسط.

ومن هنا أدرك محمد أن المعركة لن تكون بين جيشين فحسب، بل بين مشروع عثماني يتقدم، وإمبراطورية بيزنطية تحاول أن تتمسك بآخر حصونها.

ثالثًا: روملي حصار… حين تحولت الجغرافيا إلى سلاح

قبل أن يضرب محمد أسوار القسطنطينية، قرر أن يضرب الطريق الذي تصل منه الإمدادات إليها.

في سنة 1452م، أمر ببناء قلعة ضخمة على الضفة الأوروبية من مضيق البوسفور، في مواجهة قلعة أناضول حصار القائمة على الضفة الآسيوية.

كانت القلعة الجديدة تُعرف باسم روملي حصار، واختير لها موقع في أضيق أجزاء المضيق تقريبًا.

لم يكن اختيار المكان عشوائيًا.

فمن خلال القلعتين، أصبح العثمانيون قادرين على مراقبة السفن العابرة، وتهديد حركة التجارة والإمدادات القادمة من البحر الأسود نحو القسطنطينية.

لم تعد المدينة قادرة على الاطمئنان إلى موقعها البحري كما كانت تفعل من قبل.

لقد أصبح المرور عبر هذا الجزء من المضيق خاضعًا لرقابة عثمانية نارية، وصار أي عبور دون إذن السلطان محفوفًا بالخطر.

أُنجز بناء القلعة في وقت قصير قياسًا إلى حجمها، وشارك في العمل عدد كبير من العمال والجنود، وتولى قادة عثمانيون الإشراف على مراحل البناء.

كانت القلعة رسالة عسكرية وسياسية في وقت واحد.

فالسلطان لم يكن يكتفي بالاستعداد للحصار، بل كان يضيّق الخناق على المدينة قبل أن يبدأ الحصار الرسمي.

لقد فهم أن الأسوار قد تحمي القسطنطينية من جيش يهاجمها، لكنها لا تستطيع أن تحميها إلى الأبد إذا قُطعت عنها طرق الإمداد.

ومن وراء الستار… 

لم تكن روملي حصار مجرد قلعة على ضفاف البوسفور، بل كانت إعلانًا بأن محمد بدأ حصاره للقسطنطينية من البحر، قبل أن يصل إليها من البر.

رابعًا: المدافع الكبرى… حين أصبحت الأسوار أمام اختبار جديد

كانت أسوار القسطنطينية قد أثبتت مرارًا أن الجيوش التي تعتمد على السلالم والاقتحام المباشر يمكن أن تتحطم أمامها.

ولهذا احتاج محمد إلى سلاح يغيّر طبيعة المواجهة.

ومن هنا جاء اهتمامه بالمدفعية الثقيلة.

استعان العثمانيون بصناع وخبراء في صناعة المدافع، ومن أشهر الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة صانع المدافع المعروف باسم أوربان، أو أوربانوس، الذي يُرجح أنه كان من أصل مجري.

وتذكر روايات تاريخية أنه عرض خدماته أولًا على البيزنطيين، لكنه لم يحصل منهم على ما كان يطلبه، فاتجه إلى السلطان العثماني.

ومهما اختلفت التفاصيل حول ظروف انتقاله، فإن المؤكد أن المدفعية الثقيلة أصبحت عنصرًا أساسيًا في الاستعداد العثماني للحصار.

لم تكن صناعة هذه المدافع أمرًا بسيطًا.

فهي تحتاج إلى كميات كبيرة من المعدن، وخبرة في الصب والتجميع، ووسائل نقل قوية تستطيع جرها لمسافات طويلة، فضلًا عن توفير الذخيرة والوقود والعمالة اللازمة لتشغيلها.

وكانت بعض المدافع ضخمة إلى درجة أن نقلها واستخدامها تطلبا جهدًا هندسيًا وتنظيميًا كبيرًا.

كما أن المدافع الثقيلة لم تكن تطلق قذائفها بسرعة؛ فقد احتاجت إلى وقت طويل لإعادة تجهيزها، ولم يكن إطلاقها يضمن انهيار الأسوار فورًا.

لكن تأثيرها كان يتراكم.

كل قذيفة تترك أثرًا، وكل برج يتضرر يحتاج إلى إصلاح، وكل ثغرة تُفتح تفرض على المدافعين أن يوزعوا رجالهم بين القتال والترميم.

ولم يكن أوربان وحده وراء القوة المدفعية العثمانية؛ فقد اعتمد السلطان على مجموعة من الصناع والخبراء، وكانت المدافع الثقيلة جزءًا من منظومة حصار متكاملة.

لقد أدرك محمد أن المدفعية لن تفتح المدينة بمفردها، لكنها ستجعل الأسوار التي صمدت قرونًا تواجه نوعًا جديدًا من القوة العسكرية.

وهكذا أصبح الجيش يستعد من أكثر من اتجاه: قوات برية كبيرة، وأسطول بحري، ومدافع ثقيلة، ومخازن للإمداد، وطرق لنقل المعدات.

لم يكن الأمر اندفاعًا نحو معركة.

كان مشروعًا عسكريًا واسعًا أُعد له قبل أن تتحرك الجيوش.

خامسًا: الإمبراطور الأخير… مدينة تنتظر نجدة لا تأتي

في الجانب الآخر، كان الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر يعرف أن الخطر هذه المرة مختلف.

فهو لم يكن يواجه محاولة حصار عابرة، بل سلطانًا قرر أن يجعل فتح القسطنطينية هدفًا رئيسيًا لحكمه.

حاول الإمبراطور الحصول على مساعدات من أوروبا، وناشد القوى المسيحية إرسال القوات والسفن، لكن الاستجابة لم تكن بالحجم الذي تحتاج إليه المدينة.

لم تكن أوروبا كتلة واحدة تتحرك بإرادة موحدة.

كانت هناك مصالح سياسية وتجارية متعارضة، كما أن الخلافات الدينية بين الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنيسة الكاثوليكية الغربية جعلت مسألة الاتحاد الكنسي موضع جدل حاد داخل القسطنطينية نفسها.

كان بعض رجال الدولة والكنيسة يرون أن التقارب مع روما قد يفتح الباب أمام المساعدة الغربية، بينما رفض آخرون ذلك خشية فقدان استقلال الكنيسة الشرقية وتقاليدها.

وهكذا وجد الإمبراطور نفسه أمام مأزق مزدوج: عدو يقترب من الأسوار، وانقسام داخلي حول الطريق الذي يمكن أن تأتي منه النجدة.

ومع ذلك، لم تكن المدينة بلا مدافعين أو حلفاء.

وصلت مساعدات محدودة من بعض القوى الإيطالية، وكان من أبرز من قدموا للمشاركة في الدفاع القائد الجنوي جيوفاني جستنياني لونغو، الذي وصل مع مجموعة من المقاتلين، وأسندت إليه مسؤولية مهمة في تنظيم الدفاع عن الأسوار البرية.

لكن عدد المدافعين ظل قليلًا مقارنة بطول التحصينات وحجم الجيش العثماني.

وكان على الإمبراطور أن يدافع عن مدينة واسعة بأسوار تمتد لمسافات طويلة، بينما لا يملك ما يكفي من الرجال لتغطية كل موقع بالقوة نفسها.

كانت القسطنطينية تستعد لمعركة تعرف أن خسارتها قد تعني نهاية إمبراطورية بأكملها.

سادسًا: السادس من أبريل… حين بدأت الأسوار تسمع دوي المدافع

في السادس من أبريل سنة 1453م، وصلت القوات العثمانية إلى أسوار القسطنطينية، وبدأ الحصار الكبير.

كان الجيش العثماني أكبر بكثير من القوات المدافعة، وامتلك المدفعية والأسطول والقدرة على الضغط على المدينة برًا وبحرًا.

لكن التفوق العددي لم يكن كافيًا وحده.

فأسوار القسطنطينية كانت من أعظم التحصينات في العالم، وقد صُممت لتحمل الهجمات المتكررة.

بدأت المدافع العثمانية تقصف الأسوار، وتركز القصف في مواقع برية، خصوصًا في المنطقة القريبة من وادي ليكوس، حيث سمحت طبيعة الأرض بتقريب المدافع ومحاولة إحداث ثغرات في التحصينات.

كانت القذائف تهز الأبراج والجدران، وتترك شقوقًا في الأحجار، لكن المدافعين كانوا يسارعون إلى إصلاح الأضرار، مستخدمين الأخشاب والتراب والحواجز المؤقتة لتدعيم المواقع الضعيفة.

كانت المعركة أشبه بسباق قاسٍ بين طرفين:

مدافع تحطم الجدران، ورجال يحاولون ترميمها قبل أن تتحول الثغرة إلى طريق للاقتحام.

كلما اتسعت فجوة في السور، اندفع المدافعون إلى سدها، وكلما أعادوا بناء موضع متضرر، عادت المدافع لتضربه من جديد.

وفي الوقت نفسه، كان الأسطول العثماني يحاول الضغط على المدينة من البحر، لكنه اصطدم بعقبة كبرى.

فقد أُغلقت فتحة القرن الذهبي بسلسلة حديدية ضخمة، حالت دون دخول السفن العثمانية إلى الميناء.

ولم تكن المشكلة بسيطة.

فقد نجحت سفن مسيحية في الوصول إلى المدينة حاملة الإمدادات، رغم الرقابة البحرية العثمانية، وكان لذلك أثر في رفع معنويات المدافعين وإطالة قدرتهم على الصمود.

أدرك محمد أن بقاء القرن الذهبي خارج سيطرته يمنح المدينة فرصة إضافية، وأن عليه أن يجد حلًا لا يعتمد على كسر السلسلة الحديدية مباشرة.

وكان الحل الذي لجأ إليه واحدًا من أشهر المشاهد في تاريخ الحصار.

سابعًا: السفن التي سارت فوق الأرض ، مفاجأة القرن الذهبي

في ليلة الحادي والعشرين إلى الثاني والعشرين من أبريل سنة 1453م، شهد الحصار خطوة عسكرية غير مألوفة.

فقد تمكن العثمانيون من نقل عدد من سفنهم عبر اليابسة، من منطقة قريبة من البوسفور باتجاه القرن الذهبي، مستخدمين مسارًا بريًا جُهز لتسهيل جر السفن فوق جذوع وأسطح مهيأة للحركة.

لم تكن السفن تعبر البحر هذه المرة.

كانت تتحرك فوق الأرض.

وبعد جهد كبير، وصلت إلى مياه القرن الذهبي من جهة لم يكن المدافعون يتوقعون دخول الأسطول العثماني منها.

كانت السلسلة الحديدية لا تزال تغلق المدخل، لكن السفن العثمانية أصبحت داخل الميناء من الجانب الآخر.

كان المشهد صادمًا للمدافعين.

فقد اعتقدوا أن السلسلة تمنحهم حماية كافية من الأسطول العثماني، فإذا بهم يواجهون سفنًا معادية داخل الميناء نفسه.

اضطر البيزنطيون إلى توزيع قواتهم على مساحة أوسع، ولم يعد بإمكانهم التركيز على الأسوار البرية وحدها، كما أصبحت الأسوار البحرية المطلة على القرن الذهبي مهددة بوجود السفن العثمانية في الداخل.

لم تكن هذه الخطوة وحدها هي التي حسمت المعركة، ولم تسقط المدينة بمجرد وصول السفن إلى الميناء.

لكنها غيّرت حسابات الدفاع، وأجبرت الإمبراطور وقادته على مواجهة خطر إضافي، في وقت لم تكن لديهم فيه قوات تكفي أصلًا لتغطية جميع الجبهات.

لقد أثبت محمد أن الحصار لا يعني مهاجمة العدو من الطريق الذي ينتظرك فيه، بل البحث عن طريق لم يتخيل المدافعون أنه ممكن.

ومن وراء الستار… لم تكن عبقرية نقل السفن في أنها عبرت اليابسة فحسب، بل في أنها جعلت القسطنطينية تواجه الخطر من اتجاه جديد، وبددت ما تبقى من قدرتها على التركيز الدفاعي.

ثامنًا: أيام الشك… هل يتراجع السلطان؟

رغم الجيش الكبير والمدافع الثقيلة والأسطول، لم يكن سقوط القسطنطينية أمرًا مضمونًا.

فقد صمدت الأسوار أمام الهجمات المتكررة، ونجح المدافعون في إصلاح أجزاء واسعة منها، ولم تحقق المحاولات الأولى الاختراق الحاسم الذي كان ينتظره السلطان.

كانت الخسائر تتزايد، والجنود يرهقهم طول الحصار، بينما بدأت أصوات داخل المعسكر العثماني تتساءل عن جدوى الاستمرار.

وتشير الروايات إلى أن الصدر الأعظم خليل باشا الجندرلي كان من أبرز المعارضين لمواصلة المغامرة في حصار المدينة، خوفًا من استنزاف الجيش وفتح الباب أمام تدخل قوى أوروبية جديدة.

لم تكن مخاوفه بلا أساس.

فالحصار الطويل يستهلك الرجال والمال والذخيرة، وأي تأخير قد يمنح خصوم الدولة فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم.

لكن محمد كان ينظر إلى الأمر من زاوية أخرى.

فترك القسطنطينية في يد بيزنطة يعني أن المدينة ستظل مصدر تهديد دائم، وأن كل ما أنفقه من وقت ومال واستعداد قد يضيع دون نتيجة.

كما أن التراجع بعد هذا الحشد العسكري الكبير قد يضعف مكانته أمام الجيش والخصوم والحلفاء.

كان أمامه خياران: أن يواصل الحصار مخاطِرًا بخسائر أكبر، أو أن ينسحب ويترك المدينة تحتفظ بموقعها القديم.

اختار الاستمرار.

تواصل القصف، وتتابعت محاولات الاقتحام، واستخدم العثمانيون وسائل متعددة لتقويض الدفاعات، من بينها الحفر ومحاولات التسلل تحت التحصينات.

وفي المقابل، كان المدافعون يقاومون، ويرممون ما تهدم، ويواجهون كل هجوم بما بقي لديهم من قوة.

لكن الزمن لم يكن في صالح المدينة.

الإمدادات تقل، والجنود يتعبون، والثغرات تتسع، والمساعدة الخارجية لم تصل بالقوة التي كان الإمبراطور ينتظرها.

كانت القسطنطينية تقترب من لحظة يصبح فيها الصمود وحده عاجزًا عن منع السقوط.

تاسعًا: التاسع والعشرون من مايو… فجر نهاية الإمبراطورية

مع اقتراب نهاية مايو، اتخذ محمد قراره النهائي بشن الهجوم العام.

لم يكن ذلك قرارًا اتخذه في لحظة غضب، بل جاء بعد أسابيع من الحصار والقصف ومحاولات الاقتحام، وبعد أن أصبحت المدينة تعاني من إنهاك شديد.

في ليلة الثامن والعشرين من مايو، استعد الجيش العثماني للهجوم الأخير.

ومع الساعات الأولى من فجر التاسع والعشرين من مايو سنة 1453م، بدأت موجات الهجوم تتوالى على الأسوار البرية.

لم تكن ضربة واحدة، بل هجمات متعاقبة استهدفت إنهاك المدافعين، وإجبارهم على استهلاك ما تبقى لديهم من قوة وذخيرة.

تقدمت القوات غير النظامية في الموجات الأولى، ثم جاءت وحدات أكثر تنظيمًا، قبل أن تُدفع قوات الإنكشارية إلى الهجوم الحاسم.

كانت المعركة تدور في ظلام ما قبل الفجر، ثم امتدت إلى ضوء الصباح.

أصوات المدافع تختلط بصيحات الجنود، والقتال يشتد فوق الأسوار وفي الثغرات التي أحدثها القصف.

وكان جيوفاني جستنياني لونغو، أحد أبرز قادة الدفاع عن الأسوار البرية، قد أُصيب بجراح خطيرة واضطر إلى الانسحاب من موقعه.

وكان انسحابه ضربة مؤثرة للمدافعين؛ فقد كان يقود قطاعًا مهمًا من الدفاع، وكان رجاله يعتمدون على قيادته في تنظيم المقاومة.

لكن انهيار الدفاع لم يكن نتيجة انسحابه وحده.

فقد كانت الأسوار قد تعرضت لقصف متواصل، واستُنزفت القوات، وتعددت مواضع الخطر، وأصبحت القدرة على سد الثغرات تتراجع مع كل ساعة.

ثم تمكنت القوات العثمانية من اختراق الدفاعات في أكثر من موضع، وبدأت المقاومة تنهار تدريجيًا أمام كثافة الهجوم.

أما الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر، فقد اختفى في خضم القتال.

وتذكر روايات أنه سقط وهو يقاتل دفاعًا عن عاصمته، لكن تفاصيل لحظاته الأخيرة وهوية جثمانه ظلت موضع خلاف بين المصادر.

وبذلك انتهى الحكم الإمبراطوري البيزنطي في القسطنطينية.

وفي التاسع والعشرين من مايو سنة 1453م، دخل محمد الثاني المدينة، ليحمل منذ ذلك اليوم لقب محمد الفاتح.

لم يكن ذلك مجرد انتصار جيش على جيش.

لقد سقطت عاصمة إمبراطورية ارتبط تاريخها بقرون طويلة من السياسة والحروب والثقافة، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ المنطقة.

عاشرًا: بعد سقوط الأسوار… المدينة التي أرادها السلطان عاصمة

لم تنتهِ مهمة محمد الفاتح بسقوط القسطنطينية.

ففتح المدينة شيء، وتحويلها إلى مركز لإدارة إمبراطورية واسعة شيء آخر.

كانت هناك مدينة أنهكها الحصار، وسكان عاشوا أيامًا من الرعب، ومبانٍ وأسواق ومؤسسات تحتاج إلى إعادة تنظيم.

وكما يحدث في كثير من المدن التي تسقط بعد حصار طويل في حروب تلك العصور، تعرضت القسطنطينية للنهب والعنف، وفقد كثير من سكانها حياتهم أو ديارهم، وأُسر آخرون.

ولا ينبغي أن نمر على هذه الحقيقة مرورًا عابرًا، أو أن نختزل سقوط مدينة عريقة في مشهد انتصار عسكري فقط.

فوراء أبواب المدينة التي فُتحت كانت هناك حياة بشرية كاملة تعرضت لصدمة الحرب.

لكن محمد الفاتح كان يدرك أن المدينة لا يمكن أن تكون عاصمة لإمبراطوريته إذا بقيت مدينة مدمرة وخالية من النشاط.

فتوجه إلى آيا صوفيا، أعظم كنائس المدينة، وأُقيمت فيها الصلاة الإسلامية، وأُلحقت بالمؤسسات الدينية العثمانية بوصفها مسجدًا.

وكان ذلك إعلانًا رمزيًا عن انتقال السلطة، لكنه لم يكن كل المشروع.

فقد عمل السلطان على إعادة تنظيم المدينة، وتأمينها، وتشجيع عودة النشاط الاقتصادي والعمراني إليها، ونقل جماعات من مناطق مختلفة من الدولة لإعادة إعمار أحيائها وتنشيط أسواقها.

كما اتجه إلى جعلها مركزًا للإدارة والتجارة والثقافة، واستعادة مكانتها بوصفها واحدة من أهم المدن في العالم.

ولم يكن ينظر إليها باعتبارها غنيمة حرب، بل باعتبارها عاصمة يمكن أن تحمل مشروعه السياسي الكبير.

ومع مرور السنوات، أصبحت القسطنطينية مركز الحكم العثماني وقلب الإمبراطورية الصاعدة.

كما استمر الوجود الأرثوذكسي داخل المدينة في ظل الحكم العثماني، وأعيد تنظيم شؤون الكنيسة، في إطار سياسة السلطان تجاه الجماعات الدينية المختلفة.

لقد تغير الحاكم، وتغيرت السلطة، لكن المدينة احتفظت بموقعها الاستراتيجي ومكانتها الحضارية.

الحادي عشر: ماذا غيّر فتح القسطنطينية في التاريخ؟

لم يكن سقوط القسطنطينية حدثًا محليًا يخص العثمانيين والبيزنطيين وحدهم.

فقد أصبحت الدولة العثمانية صاحبة السيطرة على واحدة من أهم مدن العالم، وعلى موقع يتحكم في الممرات بين البحر الأسود وبحر مرمرة.

كما ارتفعت مكانة محمد الفاتح، فلم يعد مجرد سلطان ورث دولة قوية، بل أصبح حاكمًا نجح في إنهاء الحكم الإمبراطوري البيزنطي في عاصمته، وجعل المدينة مركزًا لدولة تتطلع إلى النفوذ في آسيا وأوروبا.

أما أوروبا، فقد استقبلت سقوط القسطنطينية بصدمة كبيرة.

فلم يكن الأمر مجرد خسارة حليف مسيحي، بل كان تغيرًا في ميزان القوى بشرق البحر المتوسط والبلقان، وإشارة إلى أن الدولة العثمانية أصبحت قوة إمبراطورية يصعب تجاهلها.

ويربط بعض المؤرخين بين سقوط القسطنطينية والتحولات التي شهدتها أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، لكن لا يصح أن ننسب النهضة الأوروبية أو الكشوف الجغرافية إلى سقوط المدينة وحده؛ فقد كانت تلك التحولات نتيجة عوامل اقتصادية وعلمية وسياسية متعددة.

ومع ذلك، ظل فتح القسطنطينية علامة فاصلة في تاريخ العالم الوسيط؛ فقد انتهى به الحكم البيزنطي في العاصمة سنة 1453م، وإن استمرت بقايا من الدولة البيزنطية في المورة حتى سنة 1460م، وفي طرابزون حتى سنة 1461م.

وهكذا لم يكن الفتح نهاية صراع طويل فحسب، بل بداية مرحلة جديدة أصبحت فيها الدولة العثمانية قوة إمبراطورية كبرى.

من وراء الستار… 

لم تسقط القسطنطينية في يوم واحد

قد تبدو القسطنطينية وكأنها سقطت في صباح التاسع والعشرين من مايو سنة 1453م، لكن الحقيقة أن ذلك الصباح كان نهاية طريق طويل، لا بدايته.

فقد بدأ الطريق حين أعاد محمد الأول جمع الدولة من بين أنقاض هزيمة أنقرة، ثم واصل مراد الثاني تثبيت قوتها وتوسيع نفوذها، حتى وصل محمد الفاتح إلى العرش وهو يرث جيشًا أكثر خبرة، ودولة أكثر تماسكًا، وموارد تسمح له بتحويل الحلم إلى مشروع.

لم يأتِ محمد إلى القسطنطينية بجيش فقط.

جاء بخطة بدأت بتأمين الجبهات، ثم السيطرة على مضيق البوسفور، وبناء المدافع، وإحكام الحصار، والبحث عن طرق جديدة لمواجهة التحصينات التي صمدت قرونًا.

لقد فهم أن المدينة لا تُفتح بتكرار المحاولات القديمة، وأن القوة العسكرية لا تحقق النصر وحدها ما لم تساندها الرؤية والتخطيط والقدرة على تغيير أسلوب الحرب.

كانت روملي حصار بداية الخناق، وكانت المدافع عنوان مرحلة جديدة من القتال، وكان نقل السفن إلى القرن الذهبي دليلًا على أن السلطان مستعد للبحث عن طريق لم يتوقعه خصومه.

لكن خلف النصر كانت هناك كلفة بشرية لا يجوز تجاهلها؛ مدينة سقطت، وسكان فقدوا أرواحهم وبيوتهم، وإمبراطورية انتهى حكمها، وبدأ فصل جديد من تاريخ المنطقة.

ومن وراء الستار… 

لم ينتصر محمد الفاتح لأنه ورث جيشًا قويًا فحسب، بل لأنه عرف كيف يحوّل ما ورثه من قوة إلى مشروع، وكيف يجعل من مدينة استعصت على أسلافه مفتاحًا لعصر جديد.

لقد سقطت القسطنطينية في يوم، لكن الطريق إلى سقوطها استغرق أجيالًا من الصراع والاستعداد.

وفي الحلقة القادمة من

«التاريخ من وراء الستار»

محمد الفاتح، ما بعد القسطنطينية: السلطان الذي لم يتوقف عند أسوارها

كيف حوّل محمد الفاتح المدينة التي فتحها إلى عاصمة لإمبراطورية صاعدة؟ وكيف واصل إخضاع الإمارات المنافسة في الأناضول، ووسع نفوذه في البلقان،


NameEmailMessage