بقلم: أيمن بحر
فى زمن اختلطت فيه المظاهر بالحقائق وأصبح البعض يقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمل من أخلاق ومبادئ أصبح من الضروري أن نتوقف أمام حقيقة لا تتغير مهما تغيرت الأيام وهى أن الأصل لا يُباع وأن التقليد مهما ارتفع ثمنه يظل رخيصًا وأن القيمة الحقيقية لا تصنعها الأموال ولا تمنحها المناصب ولا تشتريها الشهرة
الأصل ليس مجرد اسم أو عائلة أو مكانة اجتماعية بل هو تربية ومواقف وأخلاق ومبادئ تظهر وقت الشدة وتنكشف حقيقتها عند الاختلاف والمصالح فصاحب الأصل الطيب يعرف كيف يحفظ العشرة ويصون الود ويحترم الكبير ويرحم الصغير ولا يتخلى عن من وقفوا بجانبه عندما تتغير الظروف أو تتبدل المصالح
أما التقليد فهو محاولة مستمرة لارتداء ثوب الآخرين والظهور بصورة لا تعبر عن الحقيقة وقد ينجح صاحبه في إبهار الناس فترة من الزمن وقد يستطيع شراء المظاهر وصناعة صورة براقة لنفسه لكنه لا يستطيع شراء القبول الحقيقي ولا امتلاك تاريخ غير تاريخه ولا اكتساب أخلاق لم يترب عليها فالمظهر يمكن تقليده والكلام يمكن ترديده والنجاح يمكن محاكاته أما الأصالة فلا تُصنع بالتظاهر ولا تُكتسب بالادعاء
الفرق بين الأصيل والمقلد لا يظهر في أوقات الرخاء بل تكشفه المواقف
الأصيل لا يحتاج إلى أن يرفع صوته ليثبت قيمته ولا إلى أن يقلل من الآخرين حتى يشعر بأنه كبير فهو يعرف قدر نفسه ويحترم قدر الناس ويترك أفعاله تتحدث عنه أما من يعيش على تقليد غيره فيظل مشغولًا بمراقبة الآخرين ومحاولة التشبه بهم حتى يفقد ملامحه الخاصة ويصبح نسخة باهتة لا روح فيها ولا هوية واضحة
ومن المؤسف أن بعض الناس يظنون أن المال قادر على شراء كل شيء وأن الشهرة قادرة على صناعة المكانة وأن المنصب يمكن أن يمنح صاحبه قيمة تفوق قيمته الحقيقية لكن الأيام تثبت أن المال قد يشتري الأشياء ولا يشتري المحبة الصادقة وأن المنصب قد يفرض الاحترام الظاهري لكنه لا يضمن احترام القلوب وأن الشهرة قد تجعل الإنسان معروفًا لكنها لا تجعله بالضرورة محترمًا
فالاحترام الحقيقي لا يأتي من الخوف ولا من المجاملة ولا من المصالح المؤقتة بل يأتي من السيرة الطيبة والمواقف النبيلة والصدق في التعامل والوفاء بالوعود والقدرة على الاعتراف بالخطأ ورد الحقوق إلى أصحابها
الأصل الطيب لا يعني الكمال لكنه يعني أن الإنسان يعرف قيمة المبادئ
فالأصيل قد يخطئ لكنه لا يتكبر عن الاعتذار وقد يختلف لكنه لا يخون وقد يمر بضائقة لكنه لا يبيع كرامته وقد تتغير ظروفه لكنه لا يتنكر لمن عرفوه قبل أن تفتح له الدنيا أبوابها
أما من يجعل مصلحته فوق كل اعتبار فإنه يتغير بتغير المكاسب ويقترب حين تكون هناك منفعة ويبتعد عندما تنتهي الحاجة وقد يمدح اليوم من يهاجمه غدًا وفقًا لما تفرضه عليه مصالحه وهذه ليست مرونة ولا ذكاءً كما يتصور البعض بل دليل على غياب الثبات وضعف المبادئ
إن الأصالة تظهر في الوفاء وفي حفظ الأسرار وفي احترام الغائب قبل الحاضر وفي عدم استغلال ضعف الآخرين وفي الوقوف إلى جانب الحق حتى عندما تكون كلفته مرتفعة وتظهر أيضًا في التواضع حين يعلو شأن الإنسان وفي الرحمة حين يصبح قادرًا وفي العدل حين يمتلك سلطة اتخاذ القرار
ولا ينبغي أن نفهم أن كل جديد تقليد أو أن كل تشابه مع الآخرين عيب فالتعلم من الناجحين والاستفادة من تجارب الناس أمر محمود لكن الفارق كبير بين إنسان يتعلم ليطور نفسه ويحافظ على هويته وإنسان يتخلى عن شخصيته ليعيش صورة مستعارة من غيره
خذ من الآخرين علمهم وخبرتهم ونجاحهم لكن لا تستعر أخلاقًا لا تؤمن بها ولا تتخل عن مبادئك من أجل رضا الناس ولا تجعل حياتك سباقًا لإثبات أنك أفضل من أحد فلكل إنسان طريقه ولكل تجربة ظروفها ولكل نجاح ثمنه
والأجمل أن يكون الإنسان أصيلًا في زمن التقليد وصادقًا في زمن الادعاء ومتواضعًا في زمن الغرور ووفيًا في زمن المصالح وأن يترك خلفه أثرًا طيبًا لا مجرد صور وكلمات وشعارات
فالتاريخ لا يحفظ المظاهر طويلًا والناس قد تنبهر بالبريق في البداية لكنها مع مرور الوقت تكتشف الحقيقة وتعرف من كان صادقًا ومن كان يتصنع ومن كان صاحب موقف ومن كان يبحث عن مكسب ومن حمل قيمة حقيقية ومن اكتفى باستعارة قيمة الآخرين
الخلاصة أن الأصل لا يُباع ولا يُشترى ولا يتغير بتغير الظروف وأن التقليد مهما ارتفع ثمنه يبقى بلا قيمة إذا افتقد الصدق والروح والهوية
كن أنت ولا تكن نسخة من أحد واعتز بأخلاقك واحفظ كرامتك وتمسك بمبادئك ولا تسمح للمظاهر أن تخدعك ولا للمصالح أن تغيرك ولا للمناصب أن تنسيك من أين بدأت
فقد يملك الإنسان الكثير من المال لكنه يفتقر إلى المروءة وقد يحقق شهرة واسعة لكنه يفتقد إلى المحبة وقد يرتدي أغلى الثياب لكنه لا يستطيع أن يستر نقص الأخلاق
وفي النهاية تبقى الحقيقة التي لا تتغير مهما تغيرت الوجوه والأزمنة
الأصل قيمة والتقليد صورة
الأصل تاريخ ومواقف والتقليد ادعاء ومظاهر
الأصل ثبات على المبادئ والتقليد تبدل مع المصالح
ولهذا نقولها بكل وضوح إن الإنسان لا يُقاس بما يقلده من الآخرين بل بما يملكه من أخلاق وإن القيمة ليست في أن تصبح شبيهًا بغيرك بل في أن تكون أفضل نسخة من نفسك
فالأصل لا يُباع والتقليد مهما غلا ثمنه يبقى رخيصًا

