JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

حين ثارَ التيبِرُ غضبًا من السين

 


السلام عليكم

حين ثارَ التيبِرُ غضبًا من السين
قصيدة في ذكرى الهجرة ومجزرة 17 أكتوبر 1961
إلى أرواح شهداء الانتفاضة الجزائرية، الذين احتضنهم السينُ ظلمًا، فغدا صمتُه شاهدًا، وصارت أمواجُه وصمةً في جبين التاريخ.
يا يومَ هِجرتِنا، أطلَّ مُحرِّرًا
وجعَ السنينِ، وأيقظَ التذكارا
هذا أكتوبرُ، ما أتى متأنِّقًا
إلّا ليخلعَ عن فرنسا العارا
ويعيدَ للجرحِ القديمِ صدى الأسى
ويُقيمَ فوقَ ضفافِه استنكارا
في ليلةٍ، لبسَتْ باريسُ عتمتَها
وسَرى الجزائريُّ يطلبُ الأحرارا
خرجوا، وما حملوا سوى إيمانِهم
ومضوا يُنادونَ الكرامةَ جهارا
لا سيفَ في أيديهم، لا خنجرٌ
لكنَّ في صدورِهمُ الإصرارا
رفعوا المطالبَ، فاستباحَتْ دماءَهم
يدٌ جعلتْ من ظلمِها قانونا وجدارا
وتهاوَتِ الأجسادُ فوقَ جسورِها
وتلقَّفَ السينُ الحزينُ صغارا وكبارا
يا نهرَ سينٍ، هل رأيتَ عيونَهم
لما رأتْ في عتمةِ الأمواجِ أقدارا؟
هل سمعتَ نداءَ أمٍّ أُسقطَتْ
منها الرجاءُ، وأورثَتْها النارَا؟
هل أبصرتْ عيناكَ كفًّا أُوثِقَتْ
ومضى بها الظلمُ العنيفُ إلى القرارِ؟
أم كنتَ تخفي في المياهِ جريمةً
وتجرُّ في صمتِ الضفافِ انكسارا؟
لا، لستَ وحدَكَ يا نهرُ مسؤولًا،
فالظلمُ من صنعِ الذينَ اختاروا العارا.
لكنَّ ماءَكَ، إذ حملتَ ضحاياهم،
صارَ الشهودَ، وأبطلَ الأعذارا.
يا تيبِرُ، انهضْ من ضفافِ رُوما،
فاليومَ قد بلغَ الأسى مِقدارا!
واخلعْ سكونَكَ، إنَّ في السينِ الذي
ابتلعَ الأبرياءَ عارًا ثارا!
هُبَّتْ جحافلُكَ العظيمةُ غاضبًا،
وتدفَّقَتْ أمواجُكَ الأحرارَا!
قالَ التيبِرُ: «ويحَكَ السينُ، أما كفى
أنْ كنتَ ماءً، ثم صرتَ دمارا؟
أأنا الذي علَّمتْهُ روما كيفَ لا
يرضى المذلَّةَ، يستبيحُ العارا؟!
كيفَ استحالَ الماءُ في عينيكَ مقبرةً،
وغدا ضميرُكَ في الدجى إنكارا؟
أينَ الضفافُ التي تزيَّنُ بالندى؟
أينَ النوارسُ تستعيدُ نهارا؟
كيفَ استباحَ القاتلونَ مياكَنا،
ورموا الكرامَ، وأطلقوا الأشرارا؟
هذي الجزائرُ، يا أخي، لم تنحنِ،
رغمَ الجراحِ، ولم تبعْ أحرارا.
أبناؤُها عبروا البحارَ كأنَّهم
زرعوا على دربِ الخلودِ منارا.
لو أنَّ لي قلبًا لشقَّقتُ المدى،
ولجئتُ أحملُ للجزائرِ ثارا!
لكنَّني سأظلُّ أحفظُ سرَّهم،
وأصونُ في قاعِ الضميرِ حوارا.
ستظلُّ أمواجِي تردِّدُ صوتَهم،
حتى يملَّ الليلُ والاستتارا».
فأجابه التيبِرُ: «إذنْ، فلتشهدِ الدنيا،
وليُكتبْ على التاريخِ سِطارا.
أنَّ الدماءَ إذا سقطنَ بظلمِهم،
جعلنَ من وجعِ الشعوبِ انتصارا!
وأنَّ شعبًا ذاقَ مرَّ قيودِهِ،
لا يستبدلُ بالحريةِ استعبارا!
وأنَّ يومَ الهجرةِ الكبرى غدا
عهدًا يصونُ من الشهادةِ نارا!
يا جزائرَ الأحرارِ، يا وطنَ الفدا،
يا قبلةَ الأمجادِ، يا سرَّ الفخارَا!
من باريسَ، من جسرٍ تلطَّخَ بالأسى،
إلى الجزائرِ، حيثُ يعلو الثوارا،
يمضي الشهيدُ، وتستفيقُ حكايةٌ،
وتظلُّ رايةُ أمَّةٍ لا تُجارى!»
يا يومَ هِجرتِنا، سلامٌ للذينَ
جعلوا من الدمِ الطهورِ انتصارا.
المجدُ للشهداءِ، والمجدُ للجزائرِ،
والخلودُ لمن وهبوا الوطنَ الأعمارا.
الشاعر بلعربي خالد
NameEmailMessage