JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

ميثاقُ البِرِّ

 



قصة قصيرة بقلم الكاتب / محمد سعيد اللبانى
على شاطئ البحر ، حيث يلتقي لون المياه الزرقاء بسمرة التراب، كان عم سعيد يقف كل فجر يتفقد شبكة صيده (الطراحة) بأصابع أنهكها الملح وشققها غزل السنين. ستون عاماً مرت على جسده، أخذت من حيويته وانحنى معها ظهره قليلاً، لكنها لم تمس إشراقة عينيه ولا طيبة قلبه. كان للبحر في حياة عم سعيد معنى واحد: القوت الذي ربى منه ولده محمد.
​أما محمد، الذي تخرج حديثاً من الجامعة، فكان ينظر إلى أبيه لا كصياد بسيط، بل كأعظم معلم عرفه فى حياته. لم تكن شهادة التخرج من الجامعة بالنسبة لمحمد مجرد ورقة تُعلق على الجدار، بل كانت فهماً عمق قيمة العطاء، وعلمه أن أولى الناس بالرعاية والإكرام والبر هو هذا الرجل الذي أفنى عمره بين الأمواج لتوفير حياة كريمة له.
​في صباح أحد أيام الخريف الصافية، استيقظ محمد صباحا وأعد إبريق الشاي بالنعناع الذي يحبه والده. حزم الأدوات وانطلق برفقة أبيه نحو القارب الخشبي الصغير. أراد عم سعيد أن يمنعه قائلاً برفق:
​"يا بني، أنت الأن يناديك الناس كلهم بالأستاذ، لا تجهد يدك بهذا الشبك الخشن حتى لا تتعب ، اترك البحر لي وارتح أنت لتستعد لمقابلات العمل.
​ابتسم محمد ابتسامة مملؤه بالحب، ووضع يده على كتف أبيه القوي قائلاً:
​-يا أبي، لقد تعلمت كثيرا و فهمت علم النفس والاجتماع وفهمت منهم كيف أفهم الناس، لكن عينيك تعلماني كيف أكون إنساناً. فطاعتك و برك ليس فرط فضيلة، بل هو أصل حياتي، ولا يكون الصيد جميلاً إلا وأنا بجانبك.
​انطلق القارب يشق أمواج البحر، وكان محمد يتابع كل حركة لأبيه بحرص شديد. يعلم أن والده يرفض الاستسلام لتقدم العمر، لكنه يلاحظ تراجع قوته. كان محمد يتدخل بخفة وذكاء؛ يستل الشباك الثقيلة متظاهراً أنه يريد التدرب على غزلها، ويحمل صندوق الصيد بزعم أنه يريد ممارسة الرياضة، كي لا يجرح كبرياء الصياد العجوز الذي طالما اعتمد على نفسه.
​وعند منتصف النهار، وبينما كانا يلملمان الشباك بعد رزق وفير، هبت هبة رياح مفاجئة وضعت القارب في مواجهة موجة عاتية. اندفع عم سعيد ليمسك بالطارة، لكن قدمه انزلقت واهتز ثباته. في تلك اللحظة خاطفة الأنفاس، لم يفكر محمد لثانية و ألقى بنفسه يمسك بأبيه ويحميه بظهره، متحملاً صدمة القارب الخشبي بالرصيف الصخري.
​توقفت الرياح، وجلس الاثنان على شاطئ الأمان. كان عم سعيد متعب مجهد ، ينظر إلى ابنه بدموع تغالب عينيه، يرى فيه ثمرة غرسه، والدرع الذي يقيه تقلبات الزمن. أمسك بيد محمد المبتلة وقال بصوت خنقه التأثر:
​الحمد لله الذي رزقني بك يا محمد.. كنت أخشى أن يسبقني العمر قبل أن أطمئن عليك، لكنني اليوم أرى فيك السند والجدار الشديد.
​قبل محمد يد أبيه الخشنة ومسح عنها بقايا قشر السمك والملح، قائلاً:
​يا أبي كل حرف تعلمته وكل خير أعيشه هو بفضل هذه اليد الخشنة. فطاعتك و برك ليس جهداً أقدمه، بل هو نعمة أتقرب بها إلى الله وأقل ما يمكننى تقديمه لك بعد هذا العمر الشاق الذى أفنيته لأجلي.
​جلسا معاً على الساحل يتقاسمان الشاي الدافيء، ينظران إلى الأفق الشاسع. كان البحر أمامهما هادئاً، تماماً كهدوء قلبيهما المملؤين بالمحبة والوفاء، في صورة حية تسجد معنى البر وتبين أن أعظم الشهادات ليست التي تُكتب على الورق، بل التي تُطبع برّاً وإحساناً في قلوب الآباء.
NomE-mailMessage