JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل

التاريخ من وراء الستار

 


بقلم / محمد مصطفى كامل

حين انقسم المماليك على أنفسهم
الحرب التي مزقت البيوت العسكرية، ومهدت الطريق لظهور قوة جديدة في مصر
لم تكن كل الهزائم تأتي من جيش يعبر الحدود، ولم تكن كل الدول تفقد قوتها حين يخترق العدو أسوار عاصمتها. أحيانًا يبدأ السقوط من الداخل، حين يتحول رفاق الأمس إلى خصوم، وتصبح الثروة التي جمعت الرجال سببًا في اقتتالهم، ويتحول السلاح الذي حمى نفوذهم إلى أداة تهدد بقاءهم.
كانت مصر قد تجاوزت، منذ زمن طويل، اللحظة التي سقطت فيها السلطنة المملوكية عند باب زويلة. لم يعد المماليك سلاطين مستقلين كما كانوا قبل سنة 1517، لكن بيوتهم العسكرية أخذت تكتسب نفوذًا متزايدًا داخل الدولة العثمانية. ومع مرور الأجيال، أصبح بعض الأمراء قادرًا على منافسة الولاة، والتأثير في شؤون الجيش والإدارة، والمشاركة في توزيع الموارد التي تقوم عليها الحياة السياسية والاقتصادية.
غير أن القوة التي يصنعها المال والرجال والولاء تحمل في داخلها خطرًا لا يقل عن خطر الأعداء؛ فكل أمير يريد توسيع نفوذه، وكل بيت يسعى إلى حماية مصالحه، وكل تحالف يضم رجالًا مختلفين قد يتفكك عندما تتعارض المكاسب.
وفي مصر العثمانية، لم يكن هذا الاحتمال مجرد فكرة نظرية. فقد ظهر في صورة انقسامين كبيرين عرفهما التاريخ باسم الفقارية والقاسمية، وتحولا عبر الزمن إلى تحالفين واسعين تتجاوز آثارهما حدود القلعة والجيش، لتصل إلى قطاعات من المجتمع المصري.
لم يكن الصراع بينهما معركة واحدة تنتهي بانتصار طرف، بل سلسلة من المنافسات والخصومات والتحالفات المتبدلة. وفي مطلع القرن الثامن عشر، انفجر هذا التنافس في حرب داخلية كشفت أن المماليك، بعدما أصبحوا قوة يصعب على الولاة تجاهلها، لم يكونوا بالضرورة قادرين على حكم أنفسهم من دون صراع.
الفقارية والقاسمية، اسمان وراءهما عالم من المصالح
لم تكن الفقارية والقاسمية حزبين سياسيين بالمعنى الحديث، ولم تقوما على برنامج معلن لتغيير نظام الحكم. كانتا تحالفين من البيوت العسكرية والرجال والأتباع، تشكلت حولهما علاقات ولاء ومصالح، ثم اتسع تأثيرهما حتى أصبح الانتماء إليهما عاملًا مهمًا في المنافسة على المناصب والنفوذ.
وقد اختلفت الروايات حول أصول هذين التحالفين، كما أحاطت بنشأتهما قصص وتفسيرات لا يمكن التعامل معها جميعًا باعتبارها حقائق ثابتة. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن ظهورهما ارتبط بأزمات وتحولات أوسع في الدولة العثمانية، وبعلاقات متشابكة بين العسكريين وسكان المدن والقبائل وغيرها من القوى المحلية.
ولذلك، لم يكن الانقسام مجرد خلاف بين أميرين، بل أصبح إطارًا تنتظم داخله مصالح جماعات متعددة. فقد يجد الجندي في أحد التحالفين طريقًا إلى الترقي، ويرى التاجر في علاقته بأحد رجاله وسيلة لحماية تجارته، بينما تنظر جماعة عسكرية إلى التحالف باعتباره ضمانًا لمكانتها في مواجهة منافسيها.
وكانت هذه الشبكات تتجاوز الروابط العائلية. فقد يجمع البيت العسكري رجالًا لا تربطهم صلة قرابة، لكن تجمعهم الرعاية والمصلحة والخدمة. ويستطيع الأمير أن يوسع نفوذه بتكوين شبكة من الأتباع، ثم يدخل بهذه الشبكة في تحالف مع بيوت أخرى، فيصبح أكثر قدرة على المنافسة.
لكن التحالف الذي يمنح رجاله الحماية قد يتحول أيضًا إلى قيد عليهم؛ فحين يتصاعد التنافس، يصبح التراجع أمام الخصم تهديدًا لمكانة الأمير، وقد يُفسَّر التفاوض باعتباره ضعفًا، بينما يرى الطرف الآخر أن أي تنازل سيمنح منافسه فرصة للسيطرة على مزيد من الموارد.
وهكذا صار الانقسام أكبر من أن يُحل بمجرد مصالحة بين قائدين. لقد أصبح جزءًا من طريقة توزيع القوة في مصر.
حين امتدت الخصومة إلى المجتمع
لم يبقَ أثر الفقارية والقاسمية محصورًا في صفوف الأمراء والجنود. فقد امتدت علاقات التحالف إلى جماعات من سكان المدن والحرفيين والقبائل، وأصبحت الانقسامات العسكرية تتقاطع أحيانًا مع انقسامات اجتماعية أقدم منها.
وكان لهذا التداخل أثر بالغ؛ لأن الأمير لم يكن يحتاج إلى الرجال المسلحين وحدهم، بل كان يحتاج كذلك إلى شبكة من العلاقات تساعده على توفير المال والمعلومات والإمدادات، وتمنحه القدرة على التأثير في الحياة اليومية داخل القاهرة والأقاليم.
ولم يكن معنى ذلك أن المجتمع المصري انقسم كله إلى معسكرين متجانسين، أو أن كل شخص كان ملتزمًا بتحالف واحد طوال حياته. فقد اختلفت المصالح، وتبدلت الولاءات، وربما تعاون رجال من جماعات متنافسة في ظرف معين ثم عادوا إلى الخصومة عندما تغيرت الظروف.
لكن اتساع التحالفات جعل الصراع أكثر خطورة. فحين يتنازع أمير مع منافسه، لا تبقى نتائج النزاع بالضرورة داخل ديوانه أو ثكنته؛ إذ قد تتأثر به موارد تُجمع من الأقاليم، أو مصالح مرتبطة بالتجارة، أو توازنات بين الفرق العسكرية في القاهرة.
وكانت الدولة العثمانية تراقب هذا الواقع من موقع بالغ التعقيد. فهي صاحبة السيادة الرسمية على مصر، لكنها تحتاج إلى إدارة الولاية وتأمين مواردها، ولا تستطيع تجاهل القوى التي تمتلك الرجال والعلاقات والخبرة المحلية. وقد تجد نفسها مضطرة إلى موازنة جماعة بأخرى، خشية أن يؤدي انفراد طرف بالنفوذ إلى تهديد سلطتها.
وهكذا أصبح التنافس الداخلي جزءًا من معادلة الحكم نفسها: الأمراء يريدون توسيع نفوذهم، والولاة يسعون إلى تنفيذ أوامر السلطان، وإسطنبول تحاول المحافظة على سيادتها، بينما تتغير التحالفات على الأرض بصورة لا يمكن ضبطها دائمًا من العاصمة.


التاريخ من وراء الستار

عبدالعظيم زاهر

Comments
    No comments
    Post a Comment
      NameEmailMessage