JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

نساء "عكاشة" ..أميرات الألوان !! الريشة والقلم ..متضامنان في المعركة!



بقلم / حزين عمر 
 
نساء "عكاشة" ..أميرات الألوان !!
الريشة والقلم ..متضامنان في المعركة!!
----------------------------------------------
احتشدت القرية عن بكرة أبيها(!!) ؛ وقررت مواجهة الخطر المحدق والعدو اللدود !! ونجحت القرية فعلا في وضع الأصفاد حول يديه وإيداعه السجن ؛ بصفته منحلا ومعاديا للأخلاق والأعراف والقيم !!
لم تكن القرية واقعة في "الصعيد الجواني" ولم يكن العدو جاسوسا أو شيطانا !! كانت القرية جزءا من الإمبراطورية النمساوية ؛ وكان الخطر المحدق بها هو الفنان "ايجون شيلي" وكانت جريمته "الرسم"!! رسم الطبيعة والناس والنساء العاريات !! فرفع ناس القرية شكوى جماعية ضده ؛ اقتادته الشرطة على إثرها إلى المحكمة التي عاقبته بالسجن ستة أشهر ؛ فانتفض رفيقاه وأستاذاه التشكيليان: كليمت وكوكوشكا ؛ وجمعا توقيعات عدد من المثقفين ؛ لتستأنف المحكمة قرارها وتخفف الحكم إلى السجن ٢٤ يوما مع الأشغال الشاقة ..والتهمة الرسم !! والمكان قلب أوربا ..والزمان مطلع القرن العشرين!!
ذهول !!
حكاية مذهلة؛ صادمة رواها المبدع التشكيلي - والمؤرخ هذه المرة- الكاتب والفنان عبدالرازق عكاشة ؛ في أحدث كتبه الصادر مؤخرا :(ثلاثية الوجع والحب واللون..ثلاثي التجديد النمساوي ..رحلة نحو أنوار كليمت ؛ شيلي ؛ وكوكوشكا) ..كطلقة فنية صائبة ؛ في قلب الجمود والزيف والقبح والاستبداد..فكل واحد من هؤلاء الثلاثة النمساويين المجددين : إيجون شيلي (١٨٩٠-١٩١٨) والسير اوسكار كوكوشكا(١٨٨٦-١٩٨٠) وجوستاف كليمت(١٨٦٢-١٩١٨) قضى حياته - طالت أم قصرت - في حروب ومواجهات ضد الحقد والفقر والتشرد والنازية .. ولم يأت اختيار عكاشة لهؤلاء الثلاثة عشوائيا ..فقد كانوا أصدقاء ومجددين معا وعاصروا حدثا جللا هو سقوط الإمبراطورية النمساوية عام ١٩١٨ ..وهو العام نفسه الذي رحل فيه جوستاف كليمت عن ٥٦عاما وإيجون شيلي عن ٢٨ عاما ..لكن القدر أخذ من عمرهما ليضيف إلى عمر رفيقهما كوكوشكا الذي عاش ٩٦عاما ؛ متقلبا في البلاد - ومنها مصر وبعض البلاد العربية - وهاربا من مطاردة النازيين الذين أحرقوا كثيرا من لوحاته وكذلك معاناة الفقر ..حتى نال التكريم اللائق به قبل وفاته: جنسية إنجليزية ورتبة "سير" وأكاديمية باسمه وتدريس في الجامعة وعيشة متيسرة في بلده الأصلي النمسا ؛ كرمز من رمزها الثقافية .
وربما يأتي مبرر اختيار عكاشة ـ غير المعلن - لدراسة هذه الأسماء ؛ لوجود تشابه ما بينه وبين بعضهم : هو عاش جل حياته مغتربا في فرنسا ؛ ونال جنسيتها؛ ووجد فيها حفاوة لم ينلها في وطنه الأم : مصر ..وهو يحب ريف مصر وأحياءها الشعبية ؛ كما أحبها كوكوشكا الذي وفد إلى مصر عام ١٩٢٨ وعاش زمنا في الصعيد ثم في حي السيدة زينب بالقاهرة ..وعبر عن مصر وأهراماتها وطبيعتها وأبوالهول في بعض لوحاته.
وعكاشة يشبه كوكوشكا كذلك في كونهما أديبين ؛ لا مجرد تشكيليين ..وقد أبدع الفنان النمساوي عددا من المسرحيات وكتب سيرة ذاتية بعنوان:(الجريح) ..أما عكاشة فله مجموعة من الأعمال الروائية والقصصية ..كما يجمع بينهما عشق المرأة : عقلا وشكلا !!
النساء..النساء!!
والمرأة بالنسبة لهما ليست مجرد موديل جميل الشكل يغري الألوان بالسباحة في أمواجه وتضاريسه وتفاصيله ..بل هي كذلك روح مشرئب للغد وقافز نحو المستقبل ؛ وهي عقل متمرد ومتوهج ؛ كما نراها الآن في معرض يقيمه عكاشة بقاعة فلك ..يضم ٢٥ لوحة ؛ يحمل عنوان :(ناس من شارعنا) ..والشارع المقصود هنا شارع باريسي حيث يقيم عكاشة في فرنسا ..والعنوان الأدق لهذا المعرض هو :(نساء من شارعنا)!! فجسد المرأة وروحها وتفاصيلها الوجدانية تسيطر على جل اللوحات ؛ سواء بألوانها الدافئة التي تناسب روح باريس وأجواءها ؛ أو بالأبيض والأسود الذي يشبه الشجن المصري العريق؛والأحلام المصرية الموءودة؛والأنثى المصرية الرزينة الوقورة وقار الملكات والأميرات في السير الشعبية ..فالجذر المصري متغلغل في ثنايا ريشة عكاشة ؛ حتى وهو يعبر عن ناس باريس ونساء باريس . .وهذه نقطة تشابه أخرى مع كوكوشكا الذي تأثر بحضارة مصر وعاش أجواءها ..وسار على درب الإغريق والرومان : أجداده؛ في اغتراف الفن والعلم والفلسفة من حضارتنا الخالدة..
وحرية المرأة روحا وعقلا وجسدا ؛ عبر الشارع الباريسي لدى عكاشة ؛ تحريض خفي وإيجابي لكل قلم مصري وريشة مصرية وامرأة مصرية ؛بالسعي خلف أضواء الحرية - إكسير الإبداع - والإمساك بتلابيب الفجر حينما يبدو بصيصها من بعيد !! فالمبدع المصري ليس دون غيره من كبار مبدعي العالم الحر ..بل هو خليفة الفلاح الفصيح وامتداد "الكاتب المصري" الذي ساد وارتقى وقاد المجتمع منذ آلاف السنين..وعليه أن يستعيد إرثه الفكري والإبداعي والاجتماعي في الصدارة ؛ لا في ذيل المجتمع!!

 

NameEmailMessage