JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

عبقرية الهوية وصناعة الوعي.. حين يكتب التاريخ مستقبل مصر

 


بقلم: صبري الهلالي

ليست الأمم صفحاتٍ من التاريخ، بل هوياتٌ تستمد من جذورها القدرة على مواجهة التحولات وصناعة المستقبل. ومصر وطنٌ حافظ على شخصيته عبر القرون، فأخذ من التاريخ دون أن يصبح أسيرًا له، وانفتح على العالم دون أن يفقد ملامحه. لذلك لا يقتصر السؤال على ما كان تاريخنا، بل على ما صنعه هذا التاريخ في وعينا، وما سنصنعه نحن به.

تكتسب مداخلة الدكتور إبراهيم العسال في افتتاحية «منتدى مصر» أهميتها من إعادة قراءة التاريخ بوصفه طاقةً للوعي لا مخزنًا للأمجاد. فقد وصف ابن عبد الحكم مصر بأنها «أم البلاد وغوث العباد»، ورآها ابن خلدون «أم العالم، وبستان الدنيا»، وأشار المسعودي إلى مكانتها بوصفها «واسطة عقد الأرض». وتعكس هذه العبارات مكانةً صنعتها الجغرافيا والحضارة والإنسان. وعلى أرضها تعانقت آثار الأنبياء، وعبرت رحلة العائلة المقدسة، وازدهرت علوم ابن الهيثم وابن النفيس، وأقام الإمام الشافعي جانبًا من تراثه العلمي؛ فكانت مصر ملتقى لروافد الحضارة وصانعةً للتاريخ في محطات كثيرة.

ولا تكمن عبقرية مصر في قِدَم تاريخها وحده، بل في استيعاب روافدها الفرعونية واليونانية والرومانية والإسلامية والقبطية، واتصالها بالعروبة وإفريقيا والبحر المتوسط، دون أن تتبدد هويتها. فالهوية الحية تتيح التفاعل دون استلاب، والتجدد دون اقتلاع الجذور. ومن هنا تنبع قوة الشخصية المصرية التي تجمع التنوع والوحدة، وتحافظ على ماضيها وهي تصنع حاضرها.

لكن التاريخ لا يبني المستقبل نيابةً عن أبنائه. فالأمجاد التي لا تتحول إلى عمل تصبح ذكريات، بينما يقتضي الوعي أن نرى عظمة الأجداد أمانةً لا امتيازًا موروثًا. وتتحمل مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة مسؤولية تحصين العقول من التزييف، وبناء جيل يعرف تاريخه دون تقديسه على حساب الحاضر، ويعتز بوطنه مع التزامه بالنقد والإصلاح، ويستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي للإنتاج والإبداع لا للتبعية.

إن مصر لا تحتاج إلى استعارة عظمتها من الماضي، بل إلى تحويله إلى قدرة على صناعة عظمة جديدة. فالتاريخ يمنحنا الجذور، والهوية الملامح، والوعي يحدد الاتجاه. وحين يتحول الانتماء إلى مسؤولية وإتقان للعمل، يصبح كل إنجاز امتدادًا للحضارة، وكل عقل مبدع صفحةً جديدةً في كتاب الوطن. وليس أعظم ما يتركه التاريخ للأمم أن يذكّرها بعظمتها، بل أن يسأل أبناءها: ماذا ستفعلون اليوم لتستحقوا أن يكتب التاريخ أسماءكم غدًا؟

NameE-MailNachricht