كتب: أيمن بحر
لم يعد السؤال المتعلق بقدرة أحمد الشرع المعروف سابقا بأبي محمد الجولانى على مواجهة إسرائيل مجرد سؤال عسكرى بل أصبح قضية سياسية واستراتيجية تتعلق بطبيعة القوى التى صعدت خلال الحرب السورية وبالتحولات التى طرأت على موازين القوى فى المنطقة منذ عام 2015 وحتى سقوط نظام بشار الأسد فى ديسمبر 2024
ومن وجهة نظرى فإن فهم هذا المشهد يتطلب العودة إلى جذور الصراع السوري وعدم الاكتفاء بالنظر إلى التطورات الأخيرة باعتبارها أحداثا منفصلة عن بعضها البعض
أولا مرحلة ما قبل التدخل الروسى
شكّل التدخل العسكرى الروسى فى سوريا عام 2015 نقطة تحول كبرى في مسار الحرب بعدما تغيرت موازين القوة على الأرض وأصبحت الفصائل المسلحة تواجه تدخلا عسكريا أكثر تنظيما وقدرة على توفير الإسناد الجوي للقوات الحكومية السورية آنذاك
وخلال السنوات الأولى من الصراع استفادت فصائل المعارضة المسلحة من تعدد مصادر الدعم الخارجي ومن تراجع سيطرة الدولة السورية على مناطق واسعة لكن هذا الدعم لم يكن موحدا أو ثابتا كما اختلفت أهداف الدول التي تدخلت في الأزمة السورية وتباينت حساباتها مع مرور الوقت
وبالتالي فإن تفسير تراجع بعض الفصائل لا يمكن اختزاله في عامل واحد بل يرتبط بتغير الدعم الخارجي وتبدل التحالفات وتطور القدرات العسكرية لدى الأطراف المتصارعة
ثانيا سقوط النظام السوري لم يكن نتيجة عامل واحد
في ديسمبر 2024 شهدت سوريا تطورا تاريخيا عندما تمكنت فصائل مسلحة تقودها هيئة تحرير الشام من التقدم السريع والسيطرة على مدن رئيسية وصولا إلى دمشق وفرار بشار الأسد إلى روسيا
لكن هذا التحول لم يحدث في ظروف عسكرية متكافئة فقد كانت القوات الحكومية تعاني من تراجع المعنويات والفساد ومشكلات الإمداد بينما تعرضت إيران وحزب الله لضغوط عسكرية كبيرة كما كانت روسيا منشغلة بحربها في أوكرانيا
وتشير تقارير صحفية وتحليلات دولية إلى أن تراجع قدرة حلفاء النظام السابق على التدخل بالشكل المعتاد كان من العوامل التي ساعدت على انهياره السريع
أما القول إن سقوط النظام كان نتيجة اتفاق مسبق شامل لتسليم دمشق وحلب دون قتال فلا ينبغي تقديمه باعتباره حقيقة محسومة من دون أدلة موثقة ومستقلة تشرح تفاصيل تلك التفاهمات والأطراف المشاركة فيها
ثالثا الفرق بين السيطرة العسكرية وإدارة الدولة
هنا تظهر واحدة من أهم الإشكاليات التي تواجه أي حركة مسلحة تنتقل من ساحات القتال إلى إدارة مؤسسات الدولة
فالميليشيا تستطيع في بعض الظروف الاعتماد على عنصر المفاجأة والمرونة وسرعة الحركة واستغلال نقاط ضعف خصمها لكنها عندما تتولى مسؤولية دولة تواجه تحديات مختلفة تماما تشمل حماية الحدود وإدارة الاقتصاد وتوفير الخدمات وضبط السلاح وبناء مؤسسات عسكرية وأمنية تخضع للقانون
كما أن إدارة الدولة تفرض حسابات سياسية واقتصادية ودبلوماسية لا تتوافر بالضرورة لدى التشكيلات التي نشأت في بيئة الحرب
ومع ذلك فإن التحول إلى مؤسسات الدولة لا يعني تلقائيا فقدان القدرة القتالية فهناك دول نجحت في بناء جيوش قوية بعد صراعات داخلية بينما أخفقت دول أخرى بسبب الانقسامات وضعف المؤسسات وغياب القيادة الموحدة
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الجولاني قد انتقل من مرحلة الميليشيا إلى مرحلة الدولة فحسب بل ما إذا كانت السلطات الجديدة قادرة على بناء جيش وطني محترف يمتلك عقيدة عسكرية واضحة وتسليحا مناسبا وقيادة موحدة وقرارا مستقلا
رابعا لماذا تبدو المواجهة مع إسرائيل أكثر تعقيدا
تختلف مواجهة إسرائيل عن المعارك التي خاضتها الفصائل المسلحة ضد القوات الحكومية السورية السابقة أو ضد فصائل منافسة لها
فإسرائيل تمتلك تفوقا جويا واستخباراتيا وتكنولوجيا عسكرية متقدمة وقدرات واسعة على تنفيذ الضربات الجوية والاستطلاع والمراقبة كما أن أي مواجهة مباشرة معها قد تترتب عليها خسائر كبيرة في البنية التحتية والمنشآت العسكرية والقدرات الاقتصادية
ومن ثم فإن تجنب المواجهة المباشرة قد يكون نتيجة حسابات سياسية وعسكرية تتعلق بميزان القوة وتكلفة الحرب وليس بالضرورة دليلا قاطعا على الجبن أو انعدام القدرة القتالية
وفي المقابل فإن عدم الرد على الضربات أو التوغلات العسكرية يفتح بابا واسعا للنقاش بشأن قدرة الدولة السورية الجديدة على حماية سيادتها والدفاع عن أراضيها
وقد أكد أحمد الشرع في خطاباته ومواقفه العلنية تمسكه بحق سوريا في استعادة الجولان ورفضه الانتهاكات الإسرائيلية فيما يظل الاختبار العملي مرتبطا بما تستطيع السلطات السورية تحقيقه على الأرض في ظل الظروف الراهنة
خامسا تأثير التجربة المصرية في حسابات الحركات الإسلامية
لا يمكن تجاهل أن التحولات السياسية التي شهدتها مصر منذ عام 2013 أثرت في النقاشات الإقليمية بشأن مستقبل الحركات الإسلامية وعلاقتها بالسلطة والدولة
لكن القول إن تجربة جماعة الإخوان المسلمين في مصر كانت العامل الحاسم الذي دفع قيادة هيئة تحرير الشام إلى تغيير سلوكها يحتاج إلى أدلة مباشرة على طريقة تفكير تلك القيادة وحساباتها الداخلية
والأدق أن نقول إن تجربة الانتقال من المعارضة المسلحة أو التنظيم السياسي إلى إدارة الدولة تضع أي حركة أمام اختبارات صعبة تتعلق بشرعية الحكم والعلاقات الخارجية وحقوق المواطنين والتعامل مع المكونات المختلفة للمجتمع
ولا يمكن بناء استقرار حقيقي على مجرد تغيير الأسماء أو الخطاب السياسي إذا لم يصاحبه تغيير مؤسسي واضح في أسلوب الحكم وإدارة الأمن والقضاء
سادسا ملف الأقليات وحقوق السوريين
إن أي حديث عن بناء الدولة السورية لا يكتمل من دون التوقف عند حماية الأقليات الدينية والطائفية والعرقية وضمان حقوق جميع المواطنين
وقد أثارت أعمال العنف التي شهدتها مناطق سورية خلال المرحلة الانتقالية مخاوف واسعة بشأن الأمن والمحاسبة ومستقبل التعايش بين السوريين
لكن المسؤولية عن أي جريمة يجب أن تحدد بناء على الأدلة والتحقيقات المستقلة لا على التعميم أو الاتهامات غير المثبتة
فالدولة التي تسعى إلى اكتساب الثقة داخليا وخارجيا مطالبة بمنع الانتقام الجماعي ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وحماية المدنيين من دون تمييز وترسيخ مبدأ أن القانون يسري على الجميع
سابعا هل تستطيع سوريا بناء قوة عسكرية قادرة على حماية أراضيها
إن بناء جيش وطني حديث لا يتحقق بمجرد جمع الفصائل المسلحة تحت قيادة واحدة بل يحتاج إلى إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية وتوحيد نظم التدريب والتسليح والقيادة وإخضاع القوات لسلطة مدنية وقانونية واضحة
كما يحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويل الدفاع وإلى سياسة خارجية متوازنة تمنع تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية
ولا يمكن الجزم مسبقا بأن السلطات السورية الجديدة ستفشل في بناء جيش قادر على حماية البلاد أو أنها ستنجح في ذلك فهذه نتيجة تتوقف على القرارات التي ستتخذها وعلى قدرتها على تحويل الشعارات إلى مؤسسات فعالة
الخلاصة
إن ضعف القدرة على مواجهة إسرائيل لا يفسر بمجرد القول إن الجولاني وعصاباته لا يمتلكون عقلية الجيوش النظامية بل ينبغي النظر إلى ميزان القوة والتحديات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تواجه سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب
فالفرق بين الميليشيا والدولة ليس في الاسم وحده وإنما في طبيعة المؤسسات ومدى احتراف القوات المسلحة وقدرتها على حماية المواطنين والدفاع عن السيادة والالتزام بالقانون
وستبقى القضية السورية مرتبطة بمدى قدرة السلطات الجديدة على توحيد البلاد وحماية جميع مكوناتها وإعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية ومنع تكرار دوامات العنف
أما المواجهة مع إسرائيل فستظل اختبارا معقدا تحكمه حسابات القوة والمصالح والقدرة على تحمل تبعات الحرب
وفي النهاية فإن قوة الدول لا تقاس بالشعارات وحدها وإنما بقدرتها على حماية أراضيها وصون كرامة شعوبها وبناء مؤسسات مستقرة تستطيع مواجهة التحديات دون أن تدفع البلاد إلى حرب جديدة لا تملك مقوماتها
