للكاتبة الإعلامية ندين نبيل عبدالله ابوصالحه.
في
أقدس بقاع العالم، حول الكعبة المشرفة، حيث تهدأ القلوب وتسمو الأرواح،
كانت أمٌّ صغيرة تحمل في قلبها تعب الطواف، وفي يدها طفلٌ صغير يطوف مع
أبيه. كان الطفل عصبيّاً ومتعباً، يبكي من طول المشي، بينما تحاول الأم أن
تُهدّئه وتُكمل معه الطواف خطوةً خطوة.
في
ذلك اليوم كان معهم أخت الزوج وأخوه للزوج ، لكنهم افترقوا وسط الزحام.
بقيت الأخت خلفهم، لاحظت الأم ذلك، فنادتها واقتربت منها وقالت لها بلطف:
"كوني أمامنا، ليس خلفنا"، لكنها لم تسمع، أو لم تُرد أن تسمع.
ازداد
بكاء الطفل من التعب، فتوقفت الأم وقلبها يوجعها عليه، طلبت من زوجها
كرسيّاً متحركاً يجلس عليه ابنها وتدفع هي أجرته، لكنه قال: لا تفتحي
أبواباً هكذا، سيضطر كذلك لأخته. قالت: تجلس مع ابني وندفعها معاً، قال:
لا.
كان
الطفل يبكي متعباً، يمشي قليلاً وهو مع أخته ويصيح. فقالت الأم لزوجها:
اذهب إلى أختك وامشِ معها، وأنا وابني نمشي على مهل حتى نُكمل، ثم نجلس معك
ونُتمّ الطواف. فذهب، لكن الطفل بقي يبكي من التعب، وهي تسحب زوجها معها
مبتسمة، بينما بقيت الأم وحدها مع طفلها.
كانت تمشي معه وتلاعبه ليمشي قليلاً قليلاً حتى انتهى، وكأنها هاجر تمشي بابنها تبحث له عن راحة. ولم يكن يهتم، الأهم عنده أخته.
وكانت
تلك آخر مرة. فعندما أحرمنا وقصصتُ شعري وشعره وابني صغير، أخذت هي بقوة
من يدي ووضعتها في مناديل محارم ورمتها على الأرض، ولم أعرف أنها أخذتها.
وأشهد أمام الله أن لله أناساً تُحارَب بسوء أعمالهم.
لقد
ضُربت من الناس، والشنطة كانت في يد طفلي، وهي خائفة أن تضيع الشنطة، لكن
ابني قال: "ماما، شنطة عمتي أعطيتها"، فابتسمت وفتحتها، ولم أعرف أن في
الشنطة منديل المحارم، وأنهم أدخلوه فيها.
كانت هذه آخر الأيام قبل أن يتوفى زوج.
ويبقى الدرس: الله دائماً مع الأم، مع قلبها الضعيف الصابر، ومع دمعتها التي لا يراها أحد، لكن الله يراها.
دمتم سالمين .
