JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

تابوتي.. وجه آخر للمعرفة في بلاد الرافدين




ساهرة رشيد / العراق


تابوتي ليست مجرد حكاية عن العطر، إنها حكاية عن ذاكرة التراث حين تتحول الرائحة إلى كتابة، والكتابة إلى أثر، والأثر إلى شاهد على حضارة عرفت كيف تحفظ المعرفة.

في بلاد الرافدين، حيث حفظ الطين أسماء الملوك وسجلات المدن ونصوص الحياة اليومية، بقي اسم امرأة من بين تلك الأسماء ليصل إلينا بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام. امرأة لم تترك تمثالا كبيرا ولا نصا أدبيا طويلا، لكنها تركت أثرا من نوع آخر: معرفة ارتبطت بصناعة العطور، وحفظها لوح طيني بالكتابة المسمارية.

إنها( تابوتي-بيلات -إكليم)، المرأة التي ارتبط اسمها بصناعة العطور في مدينة آشور القديمة، وظهر في نص مسماري من العصر الآشوري الوسيط يعود إلى نحو القرن الثالث عشر قبل الميلاد. ويحمل اللوح المرتبط بها وصفة لمعالجة زيت عطري من القصب، ليحفظ لنا جانبا من المعرفة العملية المرتبطة بصناعة العطور في بلاد الرافدين.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد وصفة قديمة، لكن اللوح يفتح نافذة على جانب من المعرفة التقنية التي عرفها الإنسان الرافديني في التعامل مع المواد العطرية والطبيعية.

فالنص يسجل مراحل لمعالجة المادة العطرية، بما فيها خطوات تتصل بالغسل والتسخين والتصفية، فيكشف عن خبرة عملية في التعامل مع المادة العطرية. والأهم أن هذه الخبرة لم تبق في حدود الممارسة اليومية، بل وجدت طريقها إلى الكتابة، فاستقرت على الطين وعبرت آلاف السنين.

وهنا تصبح قصة تابوتي أكبر من قصة عطر.

إنها قصة معرفة حفظها التراث.

فالحضارة الرافدينية لا تختصر في المعابد والقصور والتماثيل، ولا في الملوك والحروب وحدهم. هناك وجه آخر للحضارة يظهر في تفاصيل الحياة والعمل، في الزراعة والطب والكتابة والحرف، وفي معرفة الإنسان بخصائص النبات والمواد التي تحيط به، وفي قدرته على تحويل الخبرة إلى ممارسة يمكن نقلها وتدوينها.

ومن هذا الجانب، تستعيد تابوتي أهميتها اليوم.

فالمرأة التي عاشت في آشور القديمة لم تصل إلينا بوصفها شخصية أسطورية، وإنما لأن اسمها ارتبط بنص مكتوب على لوح طيني. وبين العلامات المسمارية، بقي أثر من عملها، وبقيت إشارة إلى حضور امرأة في مجال متخصص من مجالات العمل والمعرفة في المجتمع الآشوري.


ولعل ذلك أحد الجوانب التي تجعل قصتها جديرة بالاهتمام، فهي لا تقدم لنا تاريخ العطر فحسب، بل تضع أمامنا سؤالا أوسع عن من يصنع المعرفة، ومن يحفظها، وكيف يمكن لعمل يبدو صغيرا في زمنه أن يتحول بعد آلاف السنين إلى شاهد على جانب من حضارة بأكملها.


والعطر، في حد ذاته، يحمل مفارقة جميلة.

فالرائحة لا تبقى طويلا، تمر في الهواء ثم تتلاشى، لكن المعرفة التي تقف خلفها يمكن أن تعيش قرونا. وهكذا حدث مع تابوتي: ربما اختفت الرائحة التي صنعتها منذ زمن بعيد، لكن وصفة مرتبطة بعملها بقيت على الطين، وحمل الطين اسمها إلى زمن لم تكن تتخيله.


واللوح المرتبط بقصتها ليس مجرد تفصيل في حكاية قديمة، فهو وثيقة أثرية ارتبطت بمدينة آشور في شمال العراق، وتحفظ اليوم في متحف الشرق الأدنى في برلين. ومن خلاله بقي اسم تابوتي مرتبطا بمعرفة عملية تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام.

ومن هنا لا تبدو قصة تابوتي بعيدة عن مفهوم التراث الذي نحتاج إلى استعادته اليوم، فالتراث ليس ما تراه العين فقط، بل ما حفظه الإنسان من معرفة ومهارة وتجربة وطريقة في العمل.

وعندما نستعيد اسم تابوتي، فإننا لا نبحث عن «الأولى» لمجرد صناعة لقب تاريخي، بل نحاول أن نقرأ في أثرها جانبا من تاريخ بلاد الرافدين، حيث كانت المعرفة تكتب على الطين، وحيث استطاعت تفاصيل العمل والمعرفة اليومية أن تعبر الزمن وتصل إلينا.


وربما لهذا يستحق اسم تابوتي أن يخرج من هامش الحكايات القديمة إلى مساحة أوسع من الذاكرة الثقافية.

ففي لوح طيني، تركت امرأة أثرا كبيرا.

وفي أثرها، بقيت رائحة حضارة، عرفت كيف تحفظ المعرفة، حتى عندما كانت تلك المعرفة مجرد قطرة عطر.


تعليق الصورة


لوح مسماري من مدينة آشور، يتضمن وصفة عطرية مرتبطة باسم تابوتي-بيلات-إكليم، ويعود إلى العصر الآشوري الوسيط.

author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة