JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل

صمت الجراح.. حين يضيق الكلام عن البوح

 

بقلم. أسامة حسان
الحياةُ رحلةٌ ممعنةٌ في التقلّب، تمضي بنا بين دروبٍ لا تستقيم على حال، فنودّع فيها وجوهاً ألفناها، ونفارق أحلاماً شيّدناها في القلب طويلاً، ثم نستقبل من أقدار الله ما لا نملك له ردّاً ولا نملك منعه.
وفي زحام السنين، تُحسن القلوب إخفاء ندوبها، فتستتر الأوجاع خلف ابتسامةٍ هادئة، وتتوارى الآلام تحت عباءة الصبر، حتى ليخيّل إلينا أنّ الزمن قد طوى صحائف الحزن، ونثر على مواضع الوجع سكينةً تشبه النسيان.
غير أنّ الأقدار، في لحظةٍ مباغتة، قد تزيح ذلك السكون الهشّ بسؤالٍ عابر أو موقفٍ عفوي، فتنهض الذكريات من مرقدها، لا كأطيافٍ شاحبة، بل كجراحٍ تستعيد حدّة نزفها الأول، وكأنّ ما انقضى لم ينقضِ، وما خبا في الصدر ما زال يتّقد تحت الرماد.
وهنا، يجد الإنسان نفسه واقفاً أمام هشاشته العميقة، عارياً من كلّ قدرةٍ على التجمّل أو التماسك المصطنع؛ مثقلاً بما لا تلتقطه العيون، ومنهكاً بما لا تسعه العبارات.
فلا يبتغي من الدنيا إلا أن ترفق بروحه، ولا يرجو من الناس إلا أن يكفّوا عن تقليب مواجع القلب والتنقيب في أنقاضه عمّا تهدّم فيه قديماً؛ فثمّة حكاياتٌ لا تُروى، لا لأنّ صاحبها يشحّ بها، بل لأنّ وجعها أوسع من أن يحتويه البيان، وأعمق من أن تبلغه اللغة.
وثمّة آلامٌ لا يُعدّ الإفصاح عنها شفاءً، بل بعثاً جديداً لمرارتها، واسترجاعاً قاسياً لتفاصيلها التي ما بَرِحت تنخر في الذاكرة.
لذلك يغدو الصمت، في كثيرٍ من المقامات، أبلغ من القول، وتغدو الملامح الساكنة أصدق من الكلمات المطوّلة، وتصبح الدمعةُ المعلّقة في مآقي الكبرياء أفصح من اعترافٍ يطول.
وليس الإنسان، في أصل فطرته، إلا كائناً يفتّش عن الطمأنينة، ويطلب لنفسه ركناً هادئاً يأوي إليه من عواصف الحياة، يريد موطناً داخلياً لا تقتحمه الذكريات كلّما هدأ، ولا تعبث به النوائب كلّما أوشك أن يبرأ.
وما كان أحدٌ منّا يظنّ أنّ قلباً عامراً بالأمل قد يغدو يوماً مثقلاً بالأسى، أو أنّ روحاً خُلقت لتصافح الفرح قد تحمل من التصدّع ما ينوء بها، وهي مع ذلك تبتسم كي لا تُشفق عليها العيون.
غير أنّ الحياة لا تمنحنا دائماً ما نحب، بل كثيراً ما تهبنا ما يربّينا، فتسقي أرواحنا من مراراتها ما يصقلها، وتغرس في أعماقنا من الألم ما يوقظ وعينا بأنفسنا، ويهذّب نظرتنا إلى الآخرين، ويكشف لنا هشاشة العالم وتقلبه.
ومن رحم المعاناة، تنبثق في النفس معانٍ سامية، ما كان لها أن تبلغها لولا ما كابدته من ألم؛ فهناك يتعلّم الإنسان أنّ الرحمة ليست ضعفاً، بل ثمرة قلبٍ ذاق الوجع فعرف كيف يحنو على وجع غيره، وأنّ الرفق ليس ترفاً أخلاقياً، بل حكمة من خبر قسوة الأيام.
وهناك يدرك أيضاً أنّ الستر خُلُقٌ رفيع، لأنّ النفوس ليست ساحاتٍ مستباحةً لكلّ سؤال، ولا كلُّ صمتٍ فراغاً، بل قد يكون وراءه تاريخٌ من الألم والمعاناة لا يحقّ لأحدٍ أن ينبشه.
كما يتعلّم أنّ احترام صمت الآخرين صورةٌ من صور النبل، وأنّ مراعاة خفايا القلوب من أصدق معاني المحبة. ومع توالي الأعوام، يترسّخ في النفس أنّ الندوب ليست دائماً أمارات هزيمة، بل قد تكون أوسمة نجاةٍ خفيّة.
وهي تشهد أنّ القلب خاض معاركه في صمت، وخرج منها أقلَّ براءةً، نعم، ولكن أكثر بصيرةً، وأرسخ وعياً، وأعمق إنسانية.
وهكذا تمضي الأيام، لا لتردّ إلينا ما سلبته، ولا لتعيد إلى أرواحنا ما تكسّر فيها، بل لتعلّمنا كيف نعايش الفقد بكرامة، وكيف نحمل جراحنا من غير أن نُذلّ لها، وكيف نمضي وفي القلب أثرُ ما كان، دون أن نستسلم لسطوته.
فليست القوة في أن ننسى، إذ ليس النسيان دائماً ممكناً، ولكنّها في أن نتذكّر دون أن نهوي، وأن نصبر دون أن نتبلّد، وأن نصمت حين يكون الصمت صوناً لما بقي في أرواحنا من اتزانٍ ووقار.
وفي خاتمة المطاف، ليست الندوب عيباً نُخفيه، ولا وصمةً نستحي منها، بل سيرةٌ خفيّةٌ تشهد أنّا تألّمنا، وصابرنا، وانكسر فينا شيء، ثم نهضنا، وحملنا ما تبقّى من الضوء، ومضينا.
صمت الجراح.. حين يضيق الكلام عن البوح

عبدالعظيم زاهر

Comments
    No comments
    Post a Comment
      NameEmailMessage