نم قرير العين يا هشام…
رحلتَ عن الدنيا، لكنك لم ترحل عن قلوبنا
قريبًا ستون يومًا مرّت على رحيلك عن هذه الدنيا الفانية…
ستون يومًا فقط، لكنها في القلب تبدو كأنها أعوام طويلة من الغياب، وكأن عقارب الساعة توقفت يوم غادرتنا ( 09 أوت 2026 ) ، وتركت خلفك فراغًا لا تملؤه الأيام، ولا تخفف من وجعه كثرة الكلام.
يا هشام العابد…
يا صهري العزيز، ويا أخي الذي لم تجمعني به صلة الدم فقط، بل جمعتني به المودة والعِشرة والمواقف والذكريات…
رحلتَ بالجسد، لكنك لم ترحل من قلوبنا.
تركت وراءك لوعةً كبيرة، وحسرةً لا تُقال بالكلمات، وذكرياتٍ كثيرة كلما مرّت في الخاطر أعادت إلى القلب شيئًا من وجع الفقد.
كنتَ من أولئك الذين لا يحتاجون إلى كثير من الكلام كي يتركوا أثرًا… كان حضورك هادئًا، لكن أثره عميق.
وكان قلبك طيبًا، لا يعرف إلا العطاء، ويدك ممدودة بالخير، وكلمتك تحمل من الطيبة ما يكفي لأن تجعل من حولك يشعرون بالأمان والراحة.
كنتَ إنسانًا أختار الرحمة طريقًا، والسلام موقفًا، والطيبة أسلوبًا في الحياة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله ليس المال ولا المناصب ولا الأشياء التي تزول، وإنما السيرة الطيبة التي يتناقلها الناس، والدعوات الصادقة التي تخرج من القلوب دون طلب.
وهذا ما تركته يا هشام…
ذكراك الطيبة.
فكلما أعترضني أحد ممن عرفوك، أو أستوقفني شخص في الطريق، أو التقيت بأحد من أبناء نابل، إلا ووجدت أسمك حاضرًا، وذكرك يُقال بالخير، والدعاء يسبق الكلام:
«الله يرحمه… كان راجل طيب.»
كم هي عظيمة هذه الشهادة البسيطة…
أن يرحل الإنسان، ثم يبقى الناس يذكرونه بالخير.
أن يغيب صوته، وتبقى كلماته.
أن يغيب وجهه، وتبقى إبتسامته في ذاكرة من عرفه.
أن يغادر الدنيا، لكن تظل مواقفه حاضرة في أحاديث الناس.
يا هشام…
ربما لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، ولا أن نطلب من الموت أن يمنحنا فرصة أخيرة لنقول لك كل ما في قلوبنا، لكننا نستطيع أن نرفع أيدينا إلى السماء ونقول:
اللهم إن هشامًا أصبح بين يديك، فأكرم نزله، ووسّع مدخله، وأغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأنر له قبره، وآنس وحشته، وأرفع درجته في المهديين.
اللهم أجعل كل عمل خير فعله في حياته نورًا له، وكل قلب أحبّه شاهدًا له، وكل دعوة صادقة تصله رحمةً ومغفرة.
اللهم أجمعنا به يومًا في دار لا فراق فيها، ولا مرض، ولا وجع، ولا موت.
يا هشام…
نحن لا نبكيك لأنك رحلت فقط، بل نبكي الأماكن التي أصبحت ناقصة بغيابك، والمجالس التي فقدت حضورك، والذكريات التي أصبحت تحمل طعمًا مختلفًا منذ رحيلك.
هناك أشخاص حين يغادرون، لا يغادرون وحدهم…
بل يأخذون معهم شيئًا من تفاصيل المكان، وشيئًا من دفء الأيام، وشيئًا من ضحكاتنا القديمة.
وأنت واحد من هؤلاء.
ستبقى في ذاكرتنا كما كنت…
طيبًا، كريمًا، هادئًا، محبًا للخير، قريبًا من القلوب.
وقد علمتنا الحياة أن الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما تركه من أثر في حياة الآخرين.
وأنت تركت أثرًا…
أثرًا لا تمحوه الأيام.
واليوم، وبعد مرور ما يقارب ستين يومًا على رحيلك، ما زالت القلوب ترفض أن تتعامل مع غيابك وكأنه أمر عادي.
لكننا نؤمن أن هذه الدنيا ليست دار بقاء، وأن لكل إنسان موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر.
قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.
ومع كل يوم يمر، نتعلم أن بعض الغياب لا تعالجه الأيام، وإنما نتعلم فقط كيف نحمل وجعه في صمت، وكيف نحول الإشتياق إلى دعاء.
ولهذا، وبينما نستعيد ذكراك اليوم، لا نملك لك إلا أجمل ما يستطيع المحب أن يهديه لمن فقده: دعوة صادقة من القلب.
نَمْ قريرَ العين يا هشام…
نم قرير العين يا هش...
نَمْ ولا تحمل همًّا…
فقد تركت وراءك قلوبًا تحبك، وألسنةً لا تملّ من الدعاء لك، وذكرياتٍ ستبقى حيّة مهما مرّت السنوات.
نَمْ هادئًا في رحمة الله، فقد إنتهى تعب الدنيا، وبقي الرجاء في رحمة أوسع من كل شيء.
نَمْ يا هشام… فالله أرحم بك منّا، وأكرم بك منّا، وأنت اليوم في ضيافة أرحم الراحمين.
اللهم يا رحمن يا رحيم، يا واسع المغفرة والرحمة، نسألك أن ترحم هشام العابد رحمةً لا تنقطع، وأن تغفر له ذنبه، وتتجاوز عن سيئاته، وتكرم نزله، وتوسّع مدخله.
اللهم اجعل قبره نورًا، وافرش له فيه من رياض الجنة، وآنس وحشته، وثبّته عند السؤال، وأجعل قبره بردًا وسلامًا وطمأنينة.
اللهم أجعل ما تركه من طيب السيرة وحسن المعاملة وعطاء الخير شاهدًا له لا عليه، وأجعل كل قلبٍ أحبه، وكل لسانٍ دعا له، وكل يدٍ رفعت إليه بالدعاء، سببًا في زيادة رحمته ورفع درجته.
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وأغفر لنا وله، وأجمعنا به في مستقر رحمتك، في جنةٍ لا فراق فيها ولا موت ولا ألم.
اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن إساءته، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأجعل لقاءه بك لقاء رحمة ورضوان.
يا هشام…
رحلتَ عن أعيننا، لكنك لم ترحل عن قلوبنا.
سيبقى إسمك حاضرًا في المجالس، وستبقى مواقفك شاهدة عليك، وستبقى دعواتنا ترافقك حيث أنت.
وكلما مرّ أحد ممن عرفوك، وتوقف ليتحدث عنك بالخير، سنعرف أن الإنسان لا يموت حقًا حين يرحل، ما دامت سيرته الطيبة تعيش في قلوب الناس.
رحل الجسد… وبقي الأثر.
رحل الصوت… وبقيت الذكرى.
غاب الوجه… وبقيت المحبة.
يا صهري العزيز…
يا أخي العزيز…
يا هشام العابد…
سلامٌ عليك يوم عشت بيننا طيبًا،
وسلامٌ عليك يوم رحلت،
وسلامٌ عليك يوم تُبعث حيًا بإذن الله.
اللهم اجعل الجنة داره ومستقره، والنور أنيسه، والرحمة رفيقته، والمغفرة نصيبه، والفردوس الأعلى مقامه.
اللهم أجمعنا به في دارٍ لا فراق فيها، ولا وجع، ولا موت.
وإلى أن يجمعنا الله في رحمته…
نم قرير العين يا هشام، ولا تحمل همًّا…
فقد تركت خلفك من يحبك، ومن يذكرك بالخير، ومن يرفع يديه إلى السماء كلما اشتاق إليك.
رحمك الله يا غالي…
رحمك الله يا صهري العزيز…
رحمك الله يا أخي العزيز…
رحمك الله يا هشام العابد.
إنا لله وإنا إليه راجعون. 🤲
ستبقى في قلوبنا إلى الأبد. 🇹🇳❤️
