JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

التاريخ من وراء الستار



بقلم / محمد مصطفى كامل

حين عاد المغول إلى الشام

غازان المسلم أمام المماليك، ودمشق بين جيشين، والمعركة التي أعادت رسم ميزان القوة في المشرق

قبل أن نعود إلى المشرق، علينا أن نتذكر أين تركناه.

كان باب عكا قد أُغلق سنة 1291م.

سقطت آخر المدن الكبرى للفرنجة في ساحل الشام، وتراجعت ممالكهم حتى لم يعد لهم ذلك الوجود السياسي والعسكري الذي استمر قرابة قرنين.

وفي الغرب، كانت غرناطة لا تزال تقاوم.

أما في الشرق، فلم يكن الهدوء الذي أعقب سقوط عكا سوى هدنة قصيرة في كتاب طويل.

فالمماليك الذين خرجوا من معركة عكا وهم القوة الأبرز في مصر والشام، وجدوا أنفسهم أمام عدو لم ينسَ هزائمه القديمة.

المغول.

لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف.

الرجل الذي يقودهم لم يكن هولاكو.

ولم يكن يرفع راية الوثنية التي عرفها المسلمون في زمن سقوط بغداد.

كان اسمه غازان.

وكان قد أعلن إسلامه.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر مفارقات ذلك العصر إثارة:

مغولٌ أسلموا... ثم عادوا إلى قتال المماليك المسلمين.

فهل كان الإسلام قد أنهى العداوة؟

أم أن الدول كانت تعرف طريقًا آخر لا تسلكه العقائد وحدها؟

لقد عاد السؤال الذي ظن المماليك أنهم أغلقوه عند عين جالوت:

من يملك الشام؟

غازان... حفيد هولاكو يعود

كان غازان محمود بن أرغون من سلالة هولاكو، وحكم الدولة الإيلخانية في بلاد فارس والعراق وما حولهما من سنة 1295م حتى وفاته سنة 1304م.

وفي سنة 1295م اعتنق الإسلام، واتخذ اسم محمود، وأعلن نفسه حاكمًا مسلمًا. وكان إسلامه حدثًا مهمًا في تاريخ المغول، لكنه لم يضع حدًا للصراع مع دولة المماليك.

وهنا يجب أن نتوقف عند نقطة مهمة.

لم يكن تحول غازان الديني مجرد تفصيل شخصي.

فالدولة التي حكمها كانت قد دخلت منذ عقود في بيئة إسلامية واسعة، وكان بين المغول أنفسهم من أسلم قبل غازان.

وقد رأى الباحثون أن اعتناق غازان الإسلام ارتبط أيضًا بالتحولات السياسية داخل الدولة الإيلخانية، وبالحاجة إلى تثبيت سلطته وكسب تأييد قطاعات مسلمة من النخبة والجيش. أما دوافعه الشخصية الدقيقة فلا يمكن الجزم بها.

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:

المماليك ظلوا خصومه.

فالخلاف لم يكن دينيًا فقط.

كان صراعًا على العراق والشام، وعلى الحدود، وعلى النفوذ، وعلى الطرق التي تصل بين فارس وبلاد الشام ومصر.

ولهذا لم يكن إسلام غازان نهاية الحرب.

بل أعطاها وجهًا جديدًا.

لماذا كانت الشام هي الهدف؟

منذ أن أوقف قطز وبيبرس التوسع المغولي عند عين جالوت سنة 1260م، أصبحت بلاد الشام منطقة فاصلة بين قوتين كبيرتين:

دولة المماليك في مصر والشام.

والدولة الإيلخانية في العراق وفارس.

وكانت الحدود بين الطرفين مضطربة.

غارات.

مراسلات.

تحالفات.

جواسيس.

وتحركات عسكرية متكررة.

لم يكن أي طرف يريد أن يسمح للآخر بالوصول إلى قلب الشام.

لأن من يسيطر على الشام يقترب من مصر.

ومن يسيطر على مصر يستطيع تهديد قلب الدولة المملوكية.

ولهذا كانت دمشق وحلب وحمص أكثر من مدن.

كانت مفاتيح استراتيجية.

وكانت دمشق على وجه الخصوص تمثل الطريق الطبيعي بين الشمال والجنوب.

فإذا دخلها جيش كبير، أصبحت مصر نفسها أمام خطر حقيقي.

سنة 1299 م عندما عبر غازان الفرات

في أواخر سنة 1299م تحرك غازان بجيشه نحو الشام.

عبر الفرات.

وتقدم باتجاه حلب.

وكان معه جيش كبير، وانضمت إليه قوات من حلفائه، ومن بينهم الأرمن في مملكة قيليقية، في سياق التحالفات التي أحاطت بالحملة.

وصلت الأخبار إلى المماليك.

وكان السلطان الناصر محمد بن قلاوون في مقدمة المشهد.

لم يكن الناصر محمد في تلك الفترة السلطان المستقر الذي سيصبحه لاحقًا.

فقد كانت الدولة المملوكية تمر بمرحلة من الصراع بين الأمراء، وتبدلت السلطة أكثر من مرة منذ مقتل الأشرف خليل سنة 1293م.

لكن الخطر الخارجي كان أكبر من الخلافات الداخلية.

المغول يعبرون الفرات.

وهذه المرة لم يكن الخبر إشاعة.

لقد أصبحوا داخل الشام.

حلب أولًا

سقطت حلب في أيدي قوات غازان، ثم واصل الجيش تقدمه جنوبًا.

وكانت الأخبار تنتقل بسرعة مخيفة.

مدينة بعد أخرى.

قرى تخلي مواقعها.

وسكان يتجهون جنوبًا.

وكان السؤال الذي يضغط على الجميع:

هل يستطيع المماليك إيقاف المغول قبل أن يصلوا إلى دمشق؟

تحرك الناصر محمد بجيشه.

وتجمع الجيش المملوكي في الشام.

ثم اتجه شمالًا.

حتى التقى الجيشان بالقرب من حمص.

هناك، في وادي الخزندار، ستقع المعركة التي ستجعل دمشق تفتح أبوابها أمام المغول.

وادي الخزندار... يوم اهتز جيش المماليك

في 22 ديسمبر 1299م تقريبًا، التقى الجيشان في وادي الخزندار شمال شرق حمص، في معركة عُرفت أيضًا باسم معركة حمص الثالثة. وتختلف بعض المصادر في تفاصيل الأعداد والخسائر، لكن المصادر الحديثة تتفق على أن غازان حقق فيها انتصارًا مهمًا على المماليك.

كانت المعركة عنيفة.

خيالة المماليك في مواجهة فرسان المغول.

الرماة المغول.

الخيول السريعة.

والقتال المتلاحم.

لكن النتيجة كانت لصالح غازان.

تراجعت القوات المملوكية.

وانفتح الطريق أمام الجيش الإيلخاني نحو الجنوب.

وهنا حدث شيء أخطر من خسارة معركة.

أصبح الطريق إلى دمشق مفتوحًا.

دمشق تسمع وقع الخيول

وصلت أخبار الهزيمة إلى دمشق.

وكان وقع الخبر شديدًا.

فالمدينة تعرف تاريخ المغول.

وتتذكر بغداد.

وتتذكر ما حدث في مدن الشام عندما اجتاحتها جيوش هولاكو.

ولم يكن أهل دمشق يعرفون:

هل جاء غازان ليحتل المدينة؟

أم ليمر منها؟

أم ليجعلها قاعدة دائمة لدولته؟

وكان غازان يعرف أهمية الخوف.

فأرسل رسائل أمان إلى السكان، وقدم نفسه بوصفه سلطانًا مسلمًا يريد أن يثبت سلطته على البلاد.

وفي أوائل سنة 1300م دخلت القوات الإيلخانية دمشق، واعترفت المدينة بسلطة غازان لفترة قصيرة، بينما ظلت قلعة دمشق تقاوم.

وللحظة،بدت الصورة صادمة.

دمشق التي دخلها صلاح الدين قبل أكثر من قرن وهي قاعدة لتحرير القدس، دخلتها الآن قوات تنتمي إلى أحفاد هولاكو.

ابن تيمية في دمشق

وفي تلك الأيام المضطربة ظهر اسم سيصبح له حضور كبير في تاريخ المشرق:

أحمد بن تيمية.

كان ابن تيمية في دمشق، وتحرك مع عدد من أعيان المدينة في محاولة للحصول على الأمان للسكان.

وتذكر المصادر لقاءه بغازان، ومطالبته بالأمان لأهل دمشق. وقد أعطى غازان وثيقة أمان للسكان في سياق محاولة تثبيت سيطرته على المدينة.

وهنا يظهر وجه آخر للتاريخ.

الحرب ليست دائمًا سيوفًا في الميدان.

أحيانًا يكون رجل واحد داخل مدينة محاصرة يحاول أن ينقذ أهلها بالكلمة.

لكن الأمان السياسي لا يعيش طويلًا إذا كان الجيش الذي يمنحه بعيدًا.

غازان ينسحب

كان انتصار غازان كبيرًا.

ودخلت قواته دمشق.

لكن السيطرة على الشام شيء، والاحتفاظ به شيء آخر.

فالجيش المغولي كان يعتمد بصورة كبيرة على الخيول.

والخيول تحتاج إلى العلف.

والجيش يحتاج إلى المؤن.

والحملة البعيدة عن قواعدها تحتاج إلى طرق إمداد آمنة.

وكانت الأراضي الشامية قد أصبحت عبئًا على الجيش الإيلخاني كلما طال بقاؤه.

ثم ظهرت مشكلات أخرى على جبهات غازان.

وفي أوائل سنة 1300م انسحب من الشام، وعادت القوات المملوكية إلى دمشق. وتذكر المصادر الحديثة أن دوافع الانسحاب ارتبطت بعوامل لوجستية وباضطرابات على جبهات أخرى، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد مؤكد.

وهكذا حدث شيء غريب.

دخل المغول.

احتلوا دمشق.

ثم غادروا.

وعادت المدينة إلى المماليك.

لكن غازان لم يعتبر ما حدث هزيمة نهائية.

لقد ترك خلفه رسالة واضحة:

سأعود.

المحاولة الثانية... سنة 1300م

وفعلًا عاد الضغط المغولي في العام نفسه.

تحركت قوات إيلخانية مرة أخرى باتجاه الشمال السوري.

لكن الظروف لم تكن في صالحها.

فالطقس الشتوي القاسي، وصعوبة التحرك، ومشكلات الإمداد، جعلت استمرار الحملة أمرًا شديد الصعوبة.

وتراجعت القوات مرة أخرى.

كان المماليك قد فهموا الدرس.

المغول يستطيعون اقتحام الشام.

لكن الاحتفاظ بها شيء آخر.

ومصر كانت خلف المماليك.

أما المغول، فكان عليهم أن يقطعوا مسافات طويلة من مناطقهم في العراق وفارس للوصول إلى الشام.

كان الزمن يعمل لصالح من يستطيع البقاء أطول.

لكن غازان لم ينسَ

في البلاط الإيلخاني لم تكن حملة 1299 مجرد غارة.

كان غازان يريد تثبيت حقه في السيطرة على الشام.

ولم يكتفِ بالحرب.

أرسل رسائل إلى المماليك، وطالبهم بالخضوع.

ورد المماليك بلغة لا تقل تحديًا.

وفي الوقت نفسه، حاول غازان التواصل مع قوى أوروبية، على أمل تشكيل تعاون ضد المماليك.

لكن تلك الاتصالات لم تتحول إلى تحالف عسكري فعّال.

وهنا تظهر صورة العصر كاملة.

لم تكن الحرب بين جيشين فقط.

كانت هناك مراسلات في القصور.

وسفراء يعبرون البلاد.

وتجار يحملون الأخبار.

وقوى أوروبية تراقب.

وأرمينيا القيليقية تدخل في التحالف.

والخلافات بين المغول أنفسهم.

والقبائل على الحدود.

كل ذلك كان جزءًا من الحرب.

الناصر محمد... السلطان الذي لم يستسلم

كان الناصر محمد بن قلاوون في ذلك الوقت لا يزال يواجه مشكلة داخلية خطيرة.

الأمراء المماليك كانوا أصحاب قوة حقيقية.

والسلطان لم يكن دائمًا قادرًا على فرض إرادته عليهم.

لكن السنوات القادمة ستشهد تحوله إلى واحد من أبرز سلاطين الدولة المملوكية.

وسيستقر له الحكم في ولايته الثالثة سنة 1310م.

أما الآن، فلم يكن أمامه سوى مواجهة غازان.

وكان يعرف أن خسارة الشام ليست خسارة إقليم بعيد.

إذا سقطت دمشق واستقرت فيها قوات الإيلخانيين، فإن الطريق نحو مصر يصبح أقصر.

ولهذا كان لا بد من معركة فاصلة.

سنة 1303 م العودة الكبرى

في سنة 1303م أرسل غازان جيشًا جديدًا إلى الشام.

هذه المرة كان يقوده أحد أبرز قادته:

قطلُغ شاه.

أما غازان نفسه فلم يتقدم مع الجيش إلى قلب الشام، بل بقي قريبًا من مناطق الفرات.

عبر الجيش المغولي الفرات.

وتحرك باتجاه حماة.

ثم اتجه نحو دمشق.

وكانت المدن السورية تراقب تقدمه.

لكن هذه المرة كان المماليك مستعدين.

وصلت الأخبار إلى القاهرة.

وأصدر الناصر محمد أمره بالتحرك.

خرج السلطان من مصر بجيشه.

وتوجه إلى الشام.

وكانت المواجهة القادمة مختلفة عن وادي الخزندار.

فهنا لم يكن المطلوب مجرد الصمود.

كان المطلوب:

إيقاف المغول نهائيًا.

مرج الصفر ، دمشق على موعد مع المعركة

في أبريل سنة 1303م وصلت القوات إلى منطقة مرج الصفر جنوب دمشق.

وفي 20 أبريل تقريبًا بدأ القتال.

كان الجيش المغولي كبيرًا.

وكان بقيادة قطلغ شاه.

أما الجيش المملوكي فكان بقيادة السلطان الناصر محمد ومعه كبار أمرائه.

ومن أبرزهم سلار وبيبرس الجاشنكير.

وتحولت المنطقة إلى ساحة قتال واسعة.

لم تكن معركة ساعات.

استمرت المواجهة أيامًا، وتعرض المماليك لضغط شديد في بعض مراحلها.

وبدا للحظات أن الكفة يمكن أن تميل مرة أخرى.

لكن الجيش المملوكي صمد.

ثم بدأ التوازن يتغير.

واستطاع المماليك استنزاف القوة المغولية وإجبارها على التراجع.

وفي النهاية انتهت المعركة بهزيمة الجيش الإيلخاني.

كانت هذه اللحظة أهم من مجرد انتصار ميداني.

لقد تغيرت المعادلة.

لماذا كانت مرج الصفر مختلفة؟

لأنها جاءت بعد سنوات من الكر والفر.

منذ عين جالوت، ظل المماليك والمغول في صراع طويل.

لكن حملة غازان سنة 1299 أثبتت أن المغول يستطيعون اختراق الشام.

ثم جاء انسحابهم.

ثم حملة 1300.

ثم العودة الثالثة سنة 1303.

وفي مرج الصفر ثبت أن المماليك قادرون على منع الإيلخانيين من تحويل انتصاراتهم المؤقتة إلى سيطرة دائمة على الشام.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن غازان شن حملات متعددة على الشام، لكن حملته الأولى سنة 1299 كانت انتصاره الميداني الكبير الوحيد على المماليك، بينما انتهت حملة 1303 بهزيمة قواته في مرج الصفر.

غازان... الرجل الذي لم يكمل الحرب

لم يعش غازان طويلًا بعد ذلك.

توفي في 17 مايو سنة 1304م.

وكان قد حاول أكثر من مرة تحقيق هدفه في الشام، لكنه لم ينجح في تحويل تلك الحملات إلى احتلال دائم.

وبوفاته انتهى فصل مهم من المواجهة بين المماليك والإيلخانيين، وإن لم تنتهِ الحرب بين الدولتين فورًا.

لقد جاء غازان إلى الشام ثلاث مرات تقريبًا.

في الأولى انتصر ووصل إلى دمشق.

في الثانية عاد ثم تراجع.

وفي الثالثة أرسل جيشه، فهُزم في مرج الصفر.

وهكذا لم تكن النتيجة مجرد انتصار مملوكي في معركة.

بل كانت فشلًا في تحويل القوة المغولية إلى سيطرة مستقرة على الشام.

المغول بعد غازان

لم تنتهِ الدولة الإيلخانية بوفاة غازان.

جاء بعده أخوه أولجايتو.

واستمر التوتر مع المماليك.

لكن شيئًا تغير.

فالمماليك أثبتوا أن الشام ليست أرضًا مفتوحة أمام الإيلخانيين.

وأن دخول دمشق شيء.

والاحتفاظ بها شيء آخر.

وكان هذا الفشل واحدًا من العوامل التي جعلت المشروع الإيلخاني في الشام يتراجع تدريجيًا، حتى انتهت الحملات الكبرى عبر الفرات لاحقًا، وإن استمرت المناوشات الحدودية سنوات أخرى.

من بغداد إلى دمشق، هل تغير التاريخ؟

تأملوا المشهد.

سنة 1258م:

هولاكو يدخل بغداد.

الخلافة العباسية تسقط في عاصمتها.

ثم سنة 1260م:

قطز وبيبرس يوقفان المغول عند عين جالوت.

ثم تمر عقود.

تسقط عكا سنة 1291م.

ويبدو أن المماليك أصبحوا أصحاب اليد العليا في المشرق.

ثم سنة 1299م:

يعود المغول.

ينهزم المماليك في وادي الخزندار.

وتدخل القوات الإيلخانية دمشق.

ثم تنسحب.

ثم تعود.

ثم تأتي سنة 1303م.

فتقع معركة مرج الصفر.

ويثبت المماليك مرة أخرى أن الشام لن تصبح ولاية مغولية.

لقد كان الصراع أطول بكثير من معركة واحدة.

وكانت الدولة المملوكية تتعلم في كل مرة.

والمغول يتعلمون أيضًا.

لكن الجغرافيا كانت تلعب دورًا لا يقل عن السيف.

لماذا فشل المغول في الاحتفاظ بالشام؟

السؤال يستحق التوقف.

كيف استطاع جيش المغول أن يسقط بغداد، وأن يجتاح مساحات شاسعة من آسيا، ثم يعجز عن الاحتفاظ بالشام؟

الإجابة ليست في الشجاعة وحدها.

الشام كانت بعيدة عن مركز الدولة الإيلخانية.

وكانت الحملات تحتاج إلى آلاف الخيول.

والخيول تحتاج إلى علف.

والجيوش تحتاج إلى مؤن.

والحرب الطويلة تحتاج إلى قواعد إمداد.

أما المماليك فكانوا يملكون مصر خلفهم.

ومصر كانت مركزًا بشريًا واقتصاديًا وعسكريًا ضخمًا.

كلما تراجع الجيش المملوكي، كان يستطيع العودة.

وكلما ابتعد الجيش المغولي، أصبح أكثر اعتمادًا على خطوط إمداده البعيدة.

ولهذا كان احتلال دمشق ممكنًا.

لكن تحويل الاحتلال إلى سيطرة دائمة كان أصعب بكثير.

ومن وراء الستار...

لم تكن معركة مرج الصفر مجرد صفحة عسكرية.

كانت لحظة كشفت شيئًا أعمق في تاريخ المشرق.

المغول تغيروا.

دخلوا الإسلام.

وتغيرت دولتهم.

لكن الصراع على الأرض لم ينتهِ.

والمماليك لم يكونوا مجرد قوة تحرس مصر.

لقد أصبحوا دولة تدافع عن الشام، وتحاول السيطرة على طرق التجارة، وتحافظ على مكانتها في العالم الإسلامي.

وبعد سقوط عكا، كان السؤال:

هل يستطيع المماليك حماية ما أصبح تحت أيديهم؟

وجاءت الإجابة في دمشق.

نعم، لكن بثمن.

فالدولة التي استطاعت صد المغول لم تكن دولة هادئة من الداخل.

الأمراء يتنافسون.

السلاطين يتغيرون.

والقاهرة تعيش صراعًا على السلطة.

والناصر محمد نفسه سيحتاج إلى أكثر من محاولة حتى يفرض سلطانه الحقيقي.

وفي السنوات القادمة سيظهر وجه آخر للدولة المملوكية.

ليس وجه الحرب فقط.

بل وجه القاهرة التي ستصبح واحدة من أعظم مدن العالم الإسلامي.

والقاهرة التي ستشهد بناء المساجد والمدارس والخانات والمنشآت الكبرى.

والقاهرة التي ستعيش في الوقت نفسه صراع الأمراء.

ثم سيأتي وباء لم يعرف العالم مثله.

لكن قبل أن نصل إلى ذلك،علينا أن نرى ماذا حدث للرجل الذي خرج من هذه الحرب أقوى من ذي قبل.

الناصر محمد بن قلاوون.

فهذا السلطان الذي بدأ حياته السياسية وسط صراع الأمراء، سيعود إلى السلطنة للمرة الثالثة.

وهذه المرة لن يكون مجرد سلطان يجلس على العرش.

بل سيبدأ في بناء دولة مملوكية مختلفة.

دولة ستعرف ازدهارًا عمرانيًا واقتصاديًا كبيرًا.

لكن خلف هذا الازدهار ستختبئ صراعات خطيرة.

وسنرى كيف استطاع الناصر محمد أن ينتزع السلطة من أيدي الأمراء الذين صنعوا السلاطين وخلعوا السلاطين.

وكيف تحولت القاهرة في عهده إلى مركز هائل للعلم والتجارة والعمران.

ثم سنعود مرة أخرى إلى حدود الدولة.

إلى الأناضول.

وإلى القوى التركية التي كانت تتحرك ببطء في الغرب.

لأننا إذا أردنا أن نفهم كيف انتهى عصر المماليك بعد أكثر من قرنين، فلا بد أن نعرف أولًا كيف كانت بذور القوة الجديدة تُزرع في الأناضول.

من وراء الستار...

سقطت عكا.

وبقيت غرناطة.

عاد المغول إلى الشام.

فردّ المماليك.

وظل المشرق واقفًا بين قوتين:

دولة في القاهرة تحاول أن تحمي الشام،

ودولة إيلخانية في الشرق تحاول الوصول إليها.

لكن التاريخ لا يبقي الصراع على حاله إلى الأبد.

غازان مات.

والمماليك انتصروا في مرج الصفر.

وانتهى خطر الغزو المغولي الكبير على الشام في صورته التي عرفها الناس منذ هولاكو.

لكن في اللحظة التي أُغلق فيها هذا الباب،كان باب آخر يُفتح في مكان آخر.

بعيدًا عن دمشق.

بعيدًا عن بغداد.

في أرض الأناضول.

حيث كانت إمارات تركمانية صغيرة تتنافس على الحدود.

وكانت إحدى هذه الإمارات تحمل اسمًا سيبدو في البداية عاديًا...

العثمانيون.

لكننا لم نصل إلى زمنهم بعد.

فالتاريخ لا يقفز من دولة إلى أخرى.

علينا أولًا أن نعود إلى القاهرة.

إلى الناصر محمد.

إلى السلطنة التي عاشها ثلاث مرات.

إلى الأمراء الذين حاولوا التحكم في العرش.

وإلى القاهرة التي ستدخل واحدة من أزهى مراحلها.

ثم سنرى كيف يمكن لدولة أن تبلغ قمة قوتها،وفي داخل تلك القمة نفسها تبدأ عوامل التراجع.

والفصل القادم سيكون:

حين أصبح الناصر محمد هو السلطان الحقيقي

من سلطان صغير تتحكم فيه الأمراء...

إلى رجل أعاد تشكيل دولة المماليك من الداخل.

NameE-MailNachricht