بقلم: أيمن بحر
الخطوة المصرية الصينية الجديدة تتجاوز فى دلالاتها مجرد توقيع اتفاقات اقتصادية أو توسيع نطاق التعاون بين البلدين لأنها تعكس تحولا مهما فى شكل العلاقات المالية والتجارية خلال المرحلة المقبلة
التعامل بالعملات المحلية والتعاون فى مجال العملات الرقمية وتسهيل إصدار سندات الباندا الصينية في السوق المصرية كلها أدوات يمكن أن تمنح العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين مساحة أكبر للتحرك بعيدا عن الاعتماد الكامل على الدولار في بعض مجالات التجارة والتمويل والاستثمار
المسألة هنا لا تعني أن مصر تتجه إلى التخلي عن الدولار أو الخروج من النظام المالي العالمي وإنما تعني تنويع الأدوات المالية وفتح قنوات جديدة أمام حركة التجارة والاستثمارات بما يقلل من مخاطر الاعتماد على عملة واحدة في جميع المعاملات الدولية
وهنا تظهر أهمية التعاون مع الصين باعتبارها واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية وصاحبة تجربة واسعة في تطوير أنظمة الدفع الرقمية وتوسيع استخدام عملتها في التجارة الدولية
أما سندات الباندا فهي تمثل أداة تمويل مهمة لأنها تتيح لمصر الوصول إلى سوق رأس المال الصيني وجذب تمويل باليوان بما يفتح مجالا جديدا أمام الدولة المصرية والمؤسسات الاقتصادية للحصول على مصادر تمويل متنوعة بعيدا عن الاعتماد على الأسواق التقليدية فقط
والأهم أن هذه الأدوات يمكن أن تدعم تمويل مشروعات حيوية في مجالات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتحول الرقمي والتنمية المستدامة وغيرها من القطاعات التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة ومتواصلة
كما أن التوسع في استخدام العملات المحلية بين مصر والصين يمكن أن يسهم في تسهيل حركة التجارة وتقليل الحاجة إلى تحويل العملات بين أكثر من وسيط في بعض المعاملات وهو ما قد يساعد على خفض بعض تكاليف ومخاطر التعاملات التجارية
أما العملات الرقمية للبنوك المركزية فهي تمثل اتجاها عالميا جديدا في تطوير أنظمة المدفوعات ولا تعني بالضرورة إلغاء النظام المالي الدولي أو تجاوز شبكة سويفت بصورة تلقائية لكنها يمكن أن توفر قنوات دفع رقمية حديثة وتمنح الدول خيارات إضافية في إدارة عمليات التسوية المالية
ومن هنا فإن أهمية الاتفاق المصري الصيني لا تكمن في فكرة مواجهة الدولار بصورة مباشرة بقدر ما تكمن في بناء بدائل ومسارات متعددة أمام الاقتصاد المصري
العالم يتجه تدريجيا نحو نظام اقتصادي أكثر تعددا ولم تعد القوة الاقتصادية مرتبطة فقط بحجم التجارة أو امتلاك الموارد وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بامتلاك التكنولوجيا والقدرة على توفير التمويل وتطوير أنظمة الدفع وامتلاك أدوات مالية قادرة على خدمة المصالح الوطنية
ومصر عندما توسع شراكاتها مع الصين فهي لا تغلق أبوابها أمام الولايات المتحدة أو أوروبا وإنما تعمل على توسيع دائرة خياراتها الاقتصادية والاستثمارية بما يمنحها قدرة أكبر على الحركة والتفاوض وتحقيق مصالحها
القاهرة وبكين تتحركان نحو مرحلة جديدة من التعاون تقوم على تنويع مصادر التمويل وتوسيع استخدام العملات المحلية وتعزيز الاستثمار المشترك والاستفادة من التكنولوجيا المالية الحديثة
وهذه الخطوة قد تكون بداية لمسار اقتصادي طويل الأمد تصبح فيه العلاقات المصرية الصينية أكثر عمقا وتأثيرا خاصة مع تنامي حجم التجارة والاستثمارات والمشروعات المشتركة بين البلدين
المعركة الحقيقية في الاقتصاد العالمي لم تعد فقط حول من يمتلك أكبر جيش أو أكبر اقتصاد وإنما حول من يمتلك التكنولوجيا ومن يستطيع توفير التمويل ومن يملك القدرة على بناء شبكات تجارية ومالية مستقلة ومتنوعة
ومن هذه الزاوية تبدو الشراكة المصرية الصينية الجديدة رسالة واضحة بأن مصر تريد أن تمتلك أكثر من طريق واحد نحو التمويل والاستثمار والتجارة وأن تنويع الشركاء والأدوات المالية أصبح جزءا أساسيا من حماية الاقتصاد وتعزيز قدرته على مواجهة المتغيرات العالمية
