JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

من قلب المصنع صرخة في وجه الواقع تحت سقف المصنع: رثاءٌ صامت للأجساد التي صهرتها الآلات

 



بقلم شريف السبع 


باحث في الشؤون العمالية 


أكتب هذه الكلمات ولما تجف بعد قطرات العرق من جبيني، أكتبها بلسان كل عامل يصحو مع طابور الفجر، يركب المواصلات المزدحمة، ويحمل في يديه أمانة رزق أطفاله، وفي قلبه أمل في غدٍ أفضل. نحن أصحاب حقوق، وشرفاء نكسب قوتنا بجبيننا، ونعلم أن العمل شراكة شريفة؛ فصاحب العمل يقدم رأسماله، ونحن نقدم من عمرنا، وصحتنا، ومهاراتنا. لكننا أحياناً نقف مستغربين كيف تحولت الفكرة عند البعض من شراكة إلى استغلال!


ليس من عادتنا نحن العمال أن نكتب، ولا أن ننمّق الكلمات. نصوص حياتنا مكتوبة بآثار الحروق على سواعدنا، وبتشقق الأكفّ، وبأنفاسنا المتهدجة حين نعود في ظلمات الليل إلى بيوتٍ ينتظرنا فيها أطفالٌ ينظرون إلى أيدينا قبل أن ينظروا إلى وجوهنا. نحن الذين تآكلت بصمات أصابعنا أمام ألسنة النار في المسابك، واستقرت ذرات غبار السيليكا في أعماق صدورنا كما يستقر الطين في القاع، لا نملك رفاهية البكاء المسموع؛ فالصوت هنا تبتلعه ضوضاء الكباسات الهيدروليكية في ماكينات حقن البلاستيك، وتذيبه حرارة الأفران النفقية التي لا تهدأ في مصانع السيراميك والطوب.


أكتب اليوم... لا لأرفع شعاراً ولا لأطلب زينةً من زينات الحياة، بل لأرثي عمرنا الذي يتسرب هادئاً بين التروس، ولأرثي زملائي الذين مضوا في صمتٍ نبيل، تركوا بصماتهم على كل زاوية في هذه المصانع، ثم غادروا دون أن يلتفت لإثرهم أحد.


1. حطبٌ لحديد البلاد: عن المسابك والأفران


في المسابك، أمام أفران صهر الحديد التي تتجاوز حرارتها ألفاً وخمسمائة درجة مئوية، لا توجد مسافة بين الحياة والموت إلا خطوة واحدة أو زلة قدم. هناك، يقف العمال كأنهم حراس المحرقة. يستنزف العشرات منا شبابهم في دكّ بطانات "الخرسانة الحرارية" و"الرمينج ماس"، يغرقون في عرقهم تحت قناعٍ قماشي هبيل لا يمنع الأبخرة ولا يصدّ الخبث المتطاير.


رأيت بعيني عمالاً في زهرة الشباب، يعطون للفرن ناره ودمهم، وحين يتأكل جدار الفرن ويحتاج إلى إعادة تبطين، يُلقى بالعامل في أتون الصيانة ليعمل بين درجات حرارة تسقط الطير من السماء. وحين تنتهي صيانة الفرن ويُعاد تشغيله، يتوقف جسد العامل عن الاحتمال؛ يصيبه التليف الرئوي أو تضعف دقات قلبه، فيكتشف عامل اليومية فجأة أنه لم يكن في سجلات المصنع سوى رقمٍ كُتب بقلم رصاص، يُحى بلمسة إبهام ليُكتب مكانه اسمُ قربانٍ جديد!


2. الدوران في الفراغ: ماكينات الحقن وسحب البلاستيك


على خطوط سحب وحقن البلاستيك، الأسطورة ليست أقل قسوة وإن اختلفت أشكالها. هناك، بين صفيح "الهيترات" الملتهبة وضغط "الكباسات" الهيدروليكية، نقف بالساعات الطويلة ننظر إلى القوالب وهي تفتح وتغلق. الحركة مكررة حتى الموت، والروائح الناتجة عن صهر الخامات والألياف الزجاجية تزحف إلى الأعصاب والعيون.


تجد العامل يملك خبرة مهندسٍ في ضبط خط الفاصل للقالب، ومعرفة دقيقة بتوازن ضغط التروس ورؤية عيوب التشكيل، لكنه يعامل كقطعة غيار مقدر لها التآكل! كم من يدٍ ماهرة داهمها النعاس لثانية واحدة بعد أربع عشرة ساعة من العمل المتواصل، فتدخلت الآلة الصماء لتأخذ جزءاً من سلامتها؟ وحين تقع الواقعة، يتنصل المقاول، وتلتف الإدارة حول الأوراق، ليخرج العامل بإعاقةٍ دائمة وأجر يومٍ مفقود.


3. الغبار الذي لا يغادر الصدر: مصانع السيراميك والطوب


أما في مصانع السيراميك وأفران الطوب، فالمرثية يكتبها الغبار. غبار السيليكا الناعم الذي يملأ الهواء، يدخل مع كل شهيق ليتحول داخل الرئة إلى أسمنتٍ قاسي يضيق معه مجرى النفس يوماً بعد يوم.


في هذه الأماكن، تدور الدرافيل السيراميكية في الأفران النفقية لإنتاج البلاط الفاخر الذي يزين قصوراً وأبراجاً لن ندخلها أبداً إلا كعمال بناء. يخرج المنتج براقاً ونظيفاً، بينما يخرج العامل من ورديته مغطى بالبياض كأنه كفنٌ مبكر. نتحمل الحرارة الجافة التي تجفف الدماء في العروق، ونحمل الطوب والمنتجات على ظهورنا، وعندما يتوقف الفرن أو يضعف السوق، نكون نحن أول من يُقذف به إلى الشارع بلا تأمين ولا معاش ولا حتى كلمة شكر.


4. مرارة الواقع وغياب العدالة


إن الجرح الأعمق الذي ينكأ قلوبنا ليس فقط صعوبة الشغل أو هول المخاطر؛ فنحن أبناء الشقاء وعرفنا منذ صغرنا أن الرزق الحلال يستوجب العرق. الجرح الحقيقي هو غياب "العدالة" في معناها الإنساني والتعاقدي البسيط.


الواقع الحقيقي يشهد على خللٍ جسيم في ميزان هذه الشراكة؛ أجور زهيدة تجرفها موجات الغلاء قبل أن تنتهي الأيام الأولى من الشهر، وساعات عمل تمتد لأكثر من ثماني ساعات متواصلة دون مقابلة عادلة أو فترة راحة إنسانية. أين بيئة العمل الآمنة حين نرى زملاءنا يسقطون ضحايا لإصابات العمل في غياب التأمين الصحي والسلامة المهنية؟ وأين المنطق حين يُطرد العامل بقرار تعسفي دون حماية تُذكر، ليواجه مصيراً مجهولاً وديوناً تتراكم فوق رأسه؟


إن استمرار هذا الخلل لا يضر العامل وحده، بل هو طعنة في قلب الإنتاج نفسه. فالعامل المظلوم، المحبط، الذي يشعر بأن حسابه لا يقابل كفاءته بل تحكمه المحسوبية، لن يستطيع أن يقدم إتقاناً ولا إبداعاً. والنتيجة المحتومة هي ضعف الإنتاجية، وتسرب الكفاءات، وخسارة فادحة للطرفين. إن الماكينات لا تدور برأس المال وحده، بل بالتصميم واليد الماهرة التي تحركها.


كما أن نظام "التعهيد" وسماسرة العمالة حولنا إلى بضاعة تُباع وتُشترى. المقاول يأخذ عرقنا ليقدمه للمصنع بأرخص الأسعار، والمصنع يختبئ خلف المقاول ليتهرب من علاجنا وتأميننا، والنتيجة هي أن العامل يستهلك بالكامل، ثم يُلقى على قارعة الطريق بلا حماية ولا سند.


الخاتمة: لكي ننتفل من الواقع المُر إلى العدالة المنشودة


لكي ننتقل من هذا الواقع المُر إلى العدالة المنشودة، لا بد من فرض سيادة القانون على الجميع. نريد قانون عمل عادل لا يظل حبيس الأوراق، وتفتيشاً حكومياً صارماً يباغت المنشآت ليحمي الأرواح قبل الأرباح. نريد نقابات عمالية حقيقية تتحدث بلساننا بصدق ودون إملاءات، ونطالب بتغيير نظرة المجتمع والتعليم للعمل اليدوي؛ فكل يدٍ تبني هذا الوطن هي يدٌ شريفة تستحق التقدير وليس التهميش.


نحن نعلم ما علينا من واجبات؛ نلتزم بالمواعيد، ونحفظ أسرار المكان، ونخاف على الممتلكات والسمعة كأنها أموالنا. لكننا نطالب ببيئة تضمن لنا ولأبنائنا حياة كريمة، وتأميناً عند المرض والمعاش، وفرصة عادلة للترقي. العامل هو الثروة الحقيقية للأمة، ومتى ما صينت كرامته، وأعطي حقه، تحركت عجلة الإنتاج وازدهر الاقتصاد للجميع.


سلامٌ على كل زميلٍ خنقته غازات الأفران فغادرنا في صمت... سلامٌ على الأكفّ التي احترقت لتضيء بيوت الآخرين... وسلامٌ على عمال مصر الأوفياء الذين يقفون في خطوط النار الأولى، يطعمون الوطن من عرقهم، ولا يرجون سوى لقمة عيشٍ حلال، وبيئة تحترم إنسانيتهم، وكرامةٍ تحميهم عندما تتوقف أجسادهم عن العطاء.

NomE-mailMessage