JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي

 



هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي

صديقي الفيلسوف… حين يسكن الحكيمُ والقاتلُ في رجلٍ واحد


ليس كل إنسان هادئٍ مسالمًا، وليس كل مبتسمٍ سعيدًا، وليس كل من يتحدث عن الحكمة قد نجح في أن يصنع السلام داخل نفسه.


هناك أشخاص لا تستطيع أن تقرأهم من ملامحهم الأولى؛ يبدون عاديين، هادئين، وربما أكثر لطفًا مما ينبغي… لكنك حين تقترب منهم تكتشف أنك أمام عالم كامل من التناقضات.


وهذا بالضبط هو صديقي الفيلسوف.


أعرّفكم به اليوم، لا لأنه رجل عادي، بل لأنه من أولئك الذين يجبرونك على إعادة التفكير في الإنسان، وفي الخير والشر، وفي التسامح والإنتقام، وفي تلك المسافة الغامضة التي تفصل الحكمة عن القسوة.


أعلم أن داخل كل واحد منا مفكرًا يجلس في الظل؛ يراقب، يحلل، يسأل، ويبحث عن تفسير لكل ما يحدث حوله.


لكن صديقي مختلف…


أشعر أحيانًا أن داخله أكثر من شخص.


فيه الحكيم، وفيه المتمرد، وفيه الرجل الذي سامح كثيرًا، وربما الرجل الذي لم ينسَ شيئًا.


له عين منصفة، وإبتسامة هادئة تظهر في اللحظة التي لا أتوقعها.


يقول الحقيقة، ثم يلمع شيء غريب في عينيه… كأنه يعرف أن للزمن حساباته، وأن الأشياء لا تختفي لمجرد أننا توقفنا عن الحديث عنها.


يتحدث كثيرًا عن الكرما؛ عن أن ما يفعله الإنسان بالآخرين سيعود إليه يومًا بطريقة أو بأخرى.


يجلس، يضع قدمًا فوق الأخرى، يشعل سيجارته، يمسك فنجان قهوته، ثم يبدأ في جمع خيوط الحكاية أمامه.


يربط الأحداث.


يفتش عن الدوافع.


يقرأ التفاصيل الصغيرة التي لا يراها الآخرون.


ثم يصل إلى نتائج تجعلني أحيانًا أتساءل:


هل كان يتحدث عن الناس… أم كان يتحدث عن نفسه؟


---


الرجل الذي يقرأ ما وراء الوجوه


صديقي لا يسمع الكلمات فقط.


إنه يسمع ما وراء الكلمات.


يعرف كيف يصغي إلى الألم دون أن يرمش، وكيف يكتشف الخوف المختبئ خلف إبتسامة، وكيف يصل إلى أضعف نقطة في عقل الإنسان دون أن يرفع صوته.


يعرف الآخرين جيدًا.


وربما هنا تكمن المفارقة الأكبر:


إنه يعرف الآخرين أكثر مما يعرف نفسه.


يستطيع أن يحلل شخصية إنسان من جملة، وأن يكتشف التناقض بين ما يقوله شخص وما يخفيه.


يعرف متى تصمت…


ومتى تسأل…


ومتى تبتسم…


ومتى تقول جملة واحدة فقط، فتترك أمامك إنسانًا يعيد حساباته كلها.


لكنه حين يتعلق الأمر بنفسه، تصبح كل تلك الأدوات عاجزة.


كأن الفيلسوف الذي يجلس في داخله يستطيع أن يقرأ العالم كله، لكنه يقف عاجزًا أمام مرآته.


---


بين الفضيلة والانتقام


هو متمرد.


عنيد.


لا يحب أن يفرض عليه أحد طريقًا.


يحمل الحكمة في يد، والإنتقام في اليد الأخرى.


وهذا التناقض تحديدًا هو ما يجعل شخصيته غامضة ومخيفة في الوقت نفسه.


قد يكون رحيمًا في الصباح، وقاسيًا في المساء.


قد ينقذ إنسانًا من حافة الانهيار، ثم يقف ببرود أمام شخص آخر قرر أن يؤذيه.


لا يبحث عن الإنتقام بالصراخ.


ولا يهدد كثيرًا.


ولا يعلن نواياه.


غضبه هادئ… وهذه أخطر أنواع الغضب.


فبعض الناس تستطيع أن ترى غضبهم قبل أن يأتي.


أما هو…


فغضبه يأتي أحيانًا بعد أن ينتهي كل شيء.


حين يهدأ الجميع.


حين ينسى الآخرون ما فعلوه.


وحين يظنون أن الحكاية إنتهت.


هناك فقط يبدأ هو في تذكر التفاصيل.


---


قاتلٌ محترف أم طبيبٌ يعالج نفسه؟


أحيانًا أشعر أنني أمام رجل شديد الذكاء، يعرف كيف يخترق الأبواب المغلقة، والأهم من ذلك أنه يعرف كيف يخترق العقول.


وأحيانًا أخرى أشعر أنني أمام رجل متعب، يحاول أن يعالج جراحه من خلال علاج جراح الآخرين.


وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:


أيّهما الحقيقة؟


هل هو الرجل الذي يتحدث عن الفضيلة وكأنه أحد حراسها؟


أم الرجل الذي يخفي خلف هدوئه غضبًا قديمًا؟


هل هو الحكيم الذي تعلمته الأيام؟


أم الإنسان الذي لم يستطع أن يتصالح مع ماضيه؟


ربما هو الاثنان معًا.


وربما نحن جميعًا كذلك بطريقة أو بأخرى.


فلا يوجد إنسان أبيض بالكامل…


ولا إنسان أسود بالكامل.


داخل كل واحد منا منطقة مضيئة، وأخرى لا يحب أن يقترب منها أحد.


---


وفي ذات مساء… سألته


ذات مساء، كنت أنظر إليه وهو يدخن سيجارته، يقلب فنجان القهوة بين يديه، كعادته، وكأن العالم كله مجرد مسألة فلسفية قابلة للحل.


فقلت له:


— أنت تعرف كل شيء عن البشر… فلماذا لا تستطيع أن تفهم نفسك؟


أبتسم.


كانت إبتسامته هذه المرة مختلفة.


لم تكن إبتسامة الفيلسوف الذي أعتدت عليه.


قال بهدوء:


— لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على الجميع… إلا على نفسه.


ثم صمت.


ولأول مرة، لم أرَ في عينيه ذلك الفيلسوف الغامض.


رأيت رجلًا متعبًا.


رجلًا يحمل في داخله غضبًا قديمًا، وإنتقامًا لم يكتمل، وفضيلة لا يعرف هل يؤمن بها فعلًا… أم أنه يتظاهر بالإيمان بها حتى يستطيع الإستمرار.


لم تبكِ عينه.


ظلت ثابتة.


قوية.


لكنني شعرت أن شيئًا في أعماقه كان قد تهشم منذ زمن بعيد.


أطفأ سيجارته.


نهض.


وقبل أن يغادر، قال:


— لا تبحث عن حقيقتي.


ثم توقف لحظة، وكأنه تراجع عن شيء كان يريد قوله.


وأضاف:


— أنا نفسي… ما زلت أبحث عنها.


وغادر.


وتركني أمام سؤال لم أجد له جوابًا.


---


الحقيقة التي لا نحب مواجهتها


منذ ذلك اليوم، كلما رأيت رجلًا هادئًا أكثر مما ينبغي، أتذكر صديقي الفيلسوف.


وأتساءل:


ماذا يخفي هذا الهدوء؟


هل هو سلام؟


أم تعب؟


هل هو تسامح؟


أم إنتظار؟


هل هو حكمة؟


أم غضب تعلم كيف يرتدي بدلة أنيقة؟


لكنني تعلمت شيئًا مهمًا:


لا تحكم على الإنسان من هدوئه، ولا من إبتسامته، ولا من كلماته الجميلة.


فبعض الوجوه تخفي وراءها حروبًا كاملة.


وبعض الأشخاص قضوا سنوات طويلة في بناء جدران حول قلوبهم حتى لا يستطيع أحد الوصول إلى المكان الذي يؤلمهم.


وقد يكون الإنسان الذي يبدو لك أقوى الناس…


هو نفسه الذي يخوض في داخله أشرس معاركه.


---


 الحكيم أم القاتل؟


ربما أخطأت عندما حاولت أن أضع صديقي في خانة واحدة.


فهو ليس حكيمًا بالكامل…


وليس قاتلًا بالكامل.


هو إنسان.


والإنسان أعقد من أن تختصره كلمة.


في داخله ملاك وشيطان، رحمة وغضب، تسامح وإنتقام، ضعف وقوة، ماضٍ يحاول أن يدفنه ومستقبل يحاول أن يصنعه.


لكن الفرق الحقيقي ليس في وجود الظلام داخلنا…


بل في قدرتنا على ألا نسمح له بأن يقودنا.


قد يجرحك الناس.


قد يخونونك.


قد يظلمونك.


وقد يتركون في داخلك ندوبًا لا يراها أحد.


لكن أقسى إنتقام أحيانًًا ليس أن تؤذي من آذاك…


بل أن تنجو منه دون أن تتحول إلى نسخة منه.


ولهذا، كلما تذكرت صديقي الفيلسوف، لا أعود أسأل:


أيهما يعيش في داخله؟ الحكيم أم القاتل؟


بل أسأل السؤال الأصعب:


وأيهما يعيش في داخلنا نحن؟


لأننا جميعًا نملك ذلك الجانب الذي لا نريه للآخرين.


والاختبار الحقيقي للإنسان ليس عندما يكون قادرًا على الإنتقام …


بل عندما يكون قادرًا على الإنتقام، ثم يختار ألا يفعل.


تلك هي الحكمة التي لا تُكتب في الكتب…


بل تُختبر في الحياة.


هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي


كاتب وإعلامي من مدينة نابل 


عاشق الترحال وروح الاكتشاف.

NomE-mailMessage