JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

القانون الدولي... حق لا يسقط وعدالة لا تتجزأ

 


بقلم المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش

محامٍ وباحث في القانون وحقوق الإنسان

غزة – فلسطين

السبت 12/سبتمبر 2026م


يبدأ القانون من الإنسان. من اللحظة التي يشعر فيها أن قوته لا تكفي لحماية حقه، فيبحث عن قاعدة تحميه، وعن عدالة لا تسأل أولًا عن اسمه أو وطنه أو مقدار القوة التي يملكها.

لكن أصعب اختبار للقانون يبدأ عندما تصبح المسافة بين النص والواقع أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال. عندها لا يعود السؤال: ماذا يقول القانون؟ وإنما: هل يستطيع القانون أن يفعل شيئًا؟

في فلسطين، أخذ هذا السؤال شكلًا يوميًا. أرضٌ طال عليها الاحتلال، وبيوتٌ حملت ذاكرة أصحابها، وأطفالٌ عرفوا الخوف قبل أن يعرفوا معنى الأمان، وأسرٌ دفعت ثمن نزاعات لم تخترها. ومع ذلك، فإن فلسطين هنا ليست نهاية السؤال، بل بدايته؛ لأنها تكشف مشكلة أوسع: ماذا يحدث لأي إنسان عندما تتقدم القوة ويتراجع القانون؟

لقد أكدت محكمة العدل الدولية أن حق الشعوب في تقرير مصيرها من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، وأن طول حرمان الشعب الفلسطيني من هذا الحق لا يجعله حقًا قابلًا للسقوط.

وهذه الفكرة تتجاوز فلسطين. فالحق الذي لا يسقط هناك، لا ينبغي أن يسقط في أي مكان آخر. والقانون الذي يحمي الإنسان في حالة، يجب أن يحميه في الحالات المشابهة، وإلا تحولت العدالة إلى معيار يتغير مع تغير المصالح.

في زمن الحرب تصبح المسألة أكثر قسوة. فالمدني لا يدخل الحرب بإرادته، والطفل لا يختار طرفًا، والمريض لا يحمل سلاحًا، والعائلة التي تهرب من الخطر لا تبحث عن انتصار؛ إنها تبحث عن مكان آمن.

وهنا تظهر قيمة القانون الدولي الإنساني. فالحرب لا تلغي الإنسان، والضرورة العسكرية لا تمحو كل الحدود، والقوة لا تمنح أحدًا حقًا مطلقًا في استباحة من لا يشاركون في القتال.

لكن القانون يفقد شيئًا من هيبته عندما يرى الناس أن قاعدة واحدة تُطبق بقوة في مكان، ثم تُعامل بمرونة في مكان آخر. ومن هنا تبدأ أزمة أخطر من انتهاك فردي: أزمة الثقة.

فالضحية لا تحتاج إلى قانون جميل على الورق، بل إلى حماية حقيقية. والمجتمع لا يحتاج إلى بيانات كثيرة بقدر حاجته إلى مؤسسات تستطيع التحقيق والمساءلة ومنع الإفلات من العقاب.

العدالة ليست انتقامًا، والمساءلة ليست كراهية. العدالة أن يعرف الجميع أن القوة لا تمنح حصانة، وأن انتهاك حقوق الإنسان لا يصبح مقبولًا بسبب هوية مرتكبه، كما لا يصبح أقل ألمًا بسبب هوية ضحيته.

ولذلك فإن ازدواجية المعايير ليست مجرد مشكلة سياسية؛ إنها مشكلة قانونية وإنسانية. فعندما تختلف قيمة الجريمة باختلاف مكان وقوعها، يشعر الإنسان أن القانون لم يعد ميزانًا واحدًا، بل أصبح انعكاسًا لموازين القوة.

وهنا لا بد أن نستعيد المعنى الحقيقي للعدالة: أن يكون الإنسان إنسانًا قبل أن يكون فلسطينيًا أو عربيًا أو أوروبيًا أو أفريقيًا، وأن تكون كرامته محمية قبل أن تسأل السياسة عن مصالحها.

ومن هذا المعنى يصبح السلام أكثر من مجرد غياب السلاح. فالسلام الذي يترك الظلم بلا معالجة قد يوقف الحرب، لكنه لا يصنع الطمأنينة. أما السلام الذي يحمي الحقوق ويصون الكرامة ويضع القانون فوق القوة، فهو الذي يستطيع أن يبني مستقبلًا لا يعود فيه الصراع إلى نقطة البداية.

ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون وعي. فالقانون الذي لا يعرفه الناس يبقى بعيدًا عن حياتهم، والتدريب القانوني الحقيقي لا يقتصر على حفظ النصوص، وإنما يصنع إنسانًا يعرف حقه، ويحترم حق غيره، ويرفض الكراهية والتحريض، ويؤمن بأن المطالبة بالعدالة لا تحتاج إلى ظلم الآخرين.

لقد كشفت فلسطين جانبًا مؤلمًا من الفجوة بين القانون وتطبيقه، لكنها في الوقت نفسه تذكّر العالم بأن هذه الفجوة يمكن أن تطال أي شعب وأي إنسان عندما يصبح القانون انتقائيًا.

ولهذا فإن الدفاع عن القانون الدولي ليس دفاعًا عن طرف ضد طرف، وإنما دفاع عن قاعدة واحدة: أن الحق لا يتغير بتغير صاحبه، وأن كرامة الإنسان لا تتغير بتغير مكانه، وأن العدالة لا ينبغي أن تتجزأ.

قد يتأخر إنفاذ الحق، وقد تتعثر العدالة، وقد تفشل المؤسسات في لحظة من اللحظات، لكن التأخير لا يحوّل الباطل إلى حق، ولا يجعل الظلم مشروعًا، ولا يمنح القوة قدرة على إعادة كتابة الحقيقة.

ومن هنا تأتي الرسالة التي تحملها فلسطين إلى العالم، لا بوصفها القضية الوحيدة، وإنما بوصفها مثالًا واضحًا على ما يحدث عندما يختبر الإنسان صدق القانون:

لا تجعلوا قوة الواقع أقوى من قوة الحق، ولا تجعلوا اختلاف الضحية سببًا لاختلاف العدالة.

فإذا كان القانون الدولي قد وُجد لحماية الإنسان، فعليه أن يحميه في كل مكان. وإذا كانت العدالة قيمة إنسانية، فعليها أن تكون واحدة أمام الجميع.

فالحق قد يتأخر، لكنه لا يسقط؛ والعدالة قد تتعثر، لكنها لا تتجزأ؛ والقانون لا يستحق اسمه إلا عندما يكون الإنسان، أيًا كان الإنسان، جديرًا بالحماية.

NameE-MailNachricht