JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

رحلة القلم بين الفطرة والصنعة.. حيث يولد الإبداع من أروقة الذاكرة

 


بقلم: أسامة حسان


الكتابة ليست مجرد ترتيب للألفاظ، بل هي استدعاء لنبضة خفية تسري في الدم والذاكرة. 


وحين نتأمل تفاصيل هذه الرحلة، نكتشف أن الحرف لا يولد صدفة، بل يعبر مسارب طويلة تعانق الفطرة وتصقلها تجارب الأيام.


الحرف ليس ولِيد قرار مفاجئ، ولا صنيعة قواعد جامدة تُرتَّب بلا روح. 


إنه نبض عابر يتسلل من أروقة الذاكرة، وصدق عفوي يولد في زحام الأيام والمواقف البسيطة التي تصوغ دواخلنا دون أن نعي.


ونبدأ الرحلة حيث جذور الشغف من طفولة المعاني إلى احتراف الكتابة، فأننى لا أذكر متى بالضبط استوطن القلم روحي، لكنني أستحضر طفولةً كانت فيها المعاني تسبق خطاي نحو الورق. 


كنت أخط سطوري الأولى هارباً إلى مأوى يحميني ويهديني، غير مبالٍ بأن هذا الشغف سيغدو مصيري الأبدي.


كانت البدايات أبسط بكثير مما تتخيل؛ مجرد استماع لهموم الأصدقاء ومحاولة صياغة حلول لها عبر الكلمات. 


كنت ألمح بريق الدهشة في أعينهم، جاهلاً أن تلك الجلسات البريئة كانت أول مدرسة حقيقية لتهذيب الوجدان وترويض المعنى.


ونمضى مع ترويض الحرف بين الإلهام وصقل الموهبة حيث بدأت الملكة تتشكل هكذا بلا رتوش.


 أكتب ثم أعيد قراءة ما كتبته، أستبدل لفظة بأخرى أكثر عمقاً، وأقوم اعوجاج الجملة بحس فطري يكتشف جمال السبك تدريجياً، حتى أصبحت الكتابة جزءاً متأصلاً في تكويني.


هذا المخاض الأول يترك في النفس رهبة لا توصف. كان متعتي الكبرى تكمن في تفريغ طاقات الروح على الورق، واللهاث خلف جملة واحدة ترضي شغفي الداخلي وتمنحني شعوراً عالياً بالرضا والبهجة.


ومن بين تفاصيل ذلك المخاض، يعاودنا وميض الذاكرة حين يصبح الماضي حبراً؛ حيث انفتحت الأبواب على مصراعيها، وتتابع العمر بي حتى اقتحمت عوالم الصحافة والكلمة المرئية والمكتوبة. 


وأجدني اليوم أقف أمام مرآة الرحلة لأتساءل بفضول: أهي هبة فطرية غُرست في طينتي منذ المهد، أم صنعة أتقنتها بطول التجربة وتوالي الأيام؟


ربما كان السر كامناً في تلك الدقائق الهادئة التي عبرت حياتي كنسيم خفيف، تاركةً صدىً لا يزول. 


فالإبداع الحقيقي لا يُستزَر بالقوة، بل ينمو في السر، محفوفاً بالحب والصمت، حتى نكتشف ذات يوم أنه كان رفيقنا الخفي منذ الخطوة الأولى.

NomE-mailMessage