JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

الابداع البشري والذكاء الاصطناعي

 


بقلم د. أسما الصيفي 


يقف العالم اليوم أمام واحدة من أهم اللحظات الفاصلة في تاريخ العلم والحضارة ؛ فكما أحدثت الثورة الصناعية تحولاً جذرياً في علاقة الإنسان بالطبيعة ، أحدث الثورة العلمية والتكنولوجية المتمثلة في الذكاء الاصطناعي تحولاً لا يقل عمقاً في علاقة الإنسان بذاته ، فلم يعد السؤال المطروح هو ما تستطيع الآلة أن تنجزه ، بل ما الذي يبقى مميزاً للإنسان إذا أصبحت الآلة قادرة على أداء كثير من المهام التي كانت تُعد حكراً عليه ، ومن هنا تجاوز الذكاء الاصطناعي كونه إنجازاً تقنياً ليصبح قضية فلسفية بامتياز ، تستدعي إعادة النظر في مفاهيم العقل ، والوعي ، والقصدية ، والإبداع ، والحرية ، وهي المفاهيم التي شكلت عبر التاريخ جوهر البحث الفلسفي في ماهية الإنسان .

غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق بما تستطيع الآلة أن تفعله اليوم ، وإنما بما قد يصبح عليه الإنسان غداً ، فإذا استمرت الأنظمة الذكية في التوسع بالوتيرة الحالية ، فهل نحن مقدمون على عصر تصبح فيه الآلة شريكاً دائماً للإنسان في جميع تفاصيل حياته ؟ وهل سيتحول الإنسان تدريجياً من فاعل ومبتكر إلى مستخدم يكتفي بتلقي ما تنتجه الخوارزميات؟ إن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الآلة أكثر قدرة ، بل في أن يصبح الإنسان أقل ممارسة لقدراته العقلية والإبداعية ، وأكثر اعتماداً على ما تقدمه الأنظمة الذكية من حلول جاهزة .

ولعل أكثر التحولات إثارة للانتباه يتمثل في انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه أداة لإنجاز المهام إلى كونه رفيقاً للإنسان ، فقد ظهرت تطبيقات تقدم نفسها بوصفها صديقاً دائماً ، أو مستشاراً شخصياً ، بل إن بعض الأنظمة صُممت لتحاكي الزوج أو الزوجة ، وتبني مع المستخدم علاقة طويلة الأمد تقوم على الحوار المستمر ، وإظهار التعاطف ، وتذكر التفاصيل الشخصية ، والاستجابة الانفعالية ، ولا شك أن هذه الظاهرة تمثل تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة ، إذ لم تعد العلاقة مقتصرة على الاستخدام ، بل امتدت إلى المجال العاطفي والاجتماعي .

ومن المفارقات اللافتة أن الإنسان ، الذي ابتكر الذكاء الاصطناعي لتيسير حياته ، قد يجد نفسه مع مرور الوقت خاضعاً لمنطقه ، فكلما ازدادت قدرة الأنظمة الذكية على التفكير والتوصية والاختيار ، تضاءلت حاجة الإنسان إلى ممارسة كثير من مهاراته العقلية بنفسه ، وإذا استمر هذا الاتجاه دون ضوابط ، فإننا قد نواجه جيلاً يجيد استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر مما يجيد التفكير المستقل ، ويبرع في طرح الأسئلة على الآلة أكثر مما يبرع في البحث عن الإجابات بنفسه ، فكل تقدم تقني يفقد الإنسان شيئاً من استقلاله العقلي أو حريته أو قدرته على بناء علاقات حقيقية ، هو تقدم يحتاج إلى مراجعة أخلاقية وفلسفية ، فالذكاء الاصطناعي ينبغي أن يبقى وسيلة لتمكين الإنسان ، لا أداة لإضعافه ، وأن يكون معيناً على الإبداع ، لا بديلاً عن المبدع .

وفي النهاية ، فإن مستقبل الإنسانية لن تحدده قدرة الآلات على التعلم ، بقدر ما ستحدده قدرة الإنسان على المحافظة على إنسانيته ، فالرهان الحقيقي لا يتمثل في بناء خوارزميات أكثر ذكاءً ، وإنما في بناء إنسان أكثر وعياً بذاته ، وأكثر تمسكاً بقيمه ، وأكثر قدرة على التمييز بين ما ينبغي أن يفوضه إلى الآلة ، وما يجب أن يبقى حكراً عليه . ومن ثم ، فإن الحكمة تقتضي ألا يتحول الإنسان إلى تابع لتقنية صنعها بيديه ، وأن يظل محافظاً على مساحات التأمل ، والحوار المباشر ، والإبداع الحر ، والعلاقات الإنسانية ، ولعلنا لا نزال في بداية الطريق لفهم التحولات العميقة التي أحدثتها النظم الذكية في مفاهيم العقل والوعي والإبداع والحرية والقصدية ، والعلاقات الاجتماعية ، ومن ثم ، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى مزيد من البحوث الفلسفية التي تتجاوز الجوانب التقنية ، لتعيد مساءلة الأسس الأنطولوجية والإبستمولوجية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي ، وتبحث في أثره في الهوية الإنسانية ، وفي طبيعة الذات ، وفي الحدود الفاصلة بين المحاكاة والابتكار ، وبين الوعي والخوارزمية ، كما ان دراسة الذكاء الاصطناعي لم تعد ترفاً فكرياً ، وإنما أصبحت ضرورة فلسفية تفرضها طبيعة العصر ، وتستدعي جهوداً بحثية متواصلة للكشف عن آثاره المعرفية والأخلاقية والوجودية ، بما يسهم في توجيه هذا التطور وجهةً تحفظ للإنسان مكانته بوصفه الغاية التي ينبغي أن تخدمها .

NomE-mailMessage