JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

حين يصبح الانتماء إلى عائلة تهمة




 روفيده شعبان | كاتبة صحفية


في ناس بتدفع تمن ذنوب ما ارتكبتهاش، وتتحمل وجع حكايات ما كانتش حكايتها، من غير ما يكون لها ذنب.. غير إنها كانت في الحكاية.


في قرية منبال التابعة لمركز مطاي بمحافظة المنيا، انتهت حياة أيمن، الشاب صاحب الـ19 عامًا، في واقعة ارتبطت بخصومة ثأرية قديمة، وفقًا لما جرى تداوله عن الواقعة.


أيمن لم يكن طرفًا في الجريمة التي بدأت منها الخصومة. الجريمة كانت مرتبطة بشقيقه، وانتهت القضية بحبسه.


لكن انتهاء القضية قانونيًا لم يكن كافيًا لإنهاء الخصومة.


وبحسب رواية الواقعة، كان أيمن برفقة والده عندما اعترض طريقهما ثلاثة أشخاص، واعتدوا على الأب، قبل أن تمتد الواقعة إلى نجله، الذي فارق الحياة.


تفاصيل الواقعة تظل محل تحقيق وإجراءات قانونية، لكن بعيدًا عن تفاصيلها، يظل السؤال الأوضح حاضرًا:


ما ذنب أيمن؟


هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط تفاصيل أي خصومة ثأرية.


فالجريمة لا تُورث، والمسؤولية لا تنتقل بالقرابة، ولا يصبح الإنسان شريكًا في فعل لم يرتكبه لمجرد أنه يحمل الاسم نفسه أو ينتمي إلى العائلة نفسها.


لكن الثأر يفعل ذلك تحديدًا حين يتحول من ملاحقة مرتكب الجريمة إلى البحث عن شخص آخر يدفع الثمن.


وهنا تتغير طبيعة الخصومة.


لم يعد الأمر متعلقًا بمن ارتكب الجريمة الأولى، وإنما بمن يمكن الوصول إليه من الطرف الآخر.


وهكذا يصبح الانتماء سببًا للعقاب.


شاب قد يُقتل لأنه شقيق شخص آخر، وأب قد يجد نفسه في مواجهة خصومة لم يخترها، وأطفال قد يفقدون آباءهم بسبب نزاع بدأ قبل أن يكون لهم وجود في الحياة أصلًا.


المشكلة أن الثأر لا يملك نقطة توقف واضحة.


كل جريمة تترك خلفها غضبًا، والغضب قد يتحول إلى انتقام، والانتقام يخلق ضحية جديدة، ثم تصبح الضحية الجديدة سببًا لانتقام آخر.


وبمرور الوقت، لا تعود الأجيال تعرف حتى كيف بدأت الخصومة، لكنها تعرف فقط أنها مستمرة.


وهنا يصبح القانون ليس مجرد وسيلة لمعاقبة الجاني، وإنما وسيلة لمنع العقاب من أن يتحول إلى عقاب جماعي.


فالعدالة تقول إن كل إنسان مسؤول عن فعله.


أما الثأر، حين ينفلت من ضوابط القانون، فقد يجعل الإنسان مسؤولًا عن اسم عائلته، أو عن صلة قرابته، أو عن مكانه داخل خصومة لم يخترها.


أيمن لم يختر الحكاية التي انتهت بموته.


كان في التاسعة عشرة فقط؛ عمرًا كان يفترض أن يكون فيه منشغلًا بما هو أبسط من ذلك بكثير: مستقبله، عمله، أحلامه، وحياته التي لم تبدأ بعد بكل تفاصيلها.


لكن بدلًا من أن تكون صورته مرتبطة بيوم عادي من أيام حياته، أصبحت مرتبطة بجريمة وخصومة وثأر.


وهنا لا تعود قصة أيمن مجرد خبر عن شاب فقد حياته.


تصبح سؤالًا عن كل شاب آخر يمكن أن يجد نفسه يومًا في المكان نفسه، لا لذنب ارتكبه، وإنما لأنه ينتمي إلى الطرف الذي قرر آخرون أن يعاقبوه.


الثأر لا يعيد من مات.


هو فقط يضيف إلى قائمة الموتى اسمًا جديدًا، ويفتح في بيت آخر بابًا للحزن، ويترك خلفه خصومة قد تبحث عن ضحية جديدة.


ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: كيف بدأت الخصومة؟


بل: متى تنتهي؟


تنتهي عندما نتوقف عن اعتبار دم جديد علاجًا لدم قديم.


وعندما يصبح واضحًا أن من حق كل ضحية أن تحصل على العدالة، لكن ليس من حق أحد أن يختار ضحية أخرى بريئة باسم العدالة.


أيمن لم يكن مسؤولًا عن جريمة لم يرتكبها.


وكان ذنبه الوحيد، بحسب ملابسات الواقعة، أنه وُضع داخل حكاية لم يختر أن يكون جزءًا منها.


وهذا تحديدًا هو الوجه الأكثر قسوة في الثأر:


أن يدفع إنسان ثمن شيء لم يفعله، فقط لأنه كان «في الحكاية».

author-img

journalist

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة