JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

الكارثة الخفية وراء التكتل الثلاثي || لماذا يعجز هذا التكتل عن أن يصبح منظومة دفاعية عالمية متكاملة مع غياب ثقل مصر الاستراتيجي




يُعقد أحياناً مقارنات متسرعة بين الاتفاقيات الدفاعية الإقليمية الناشئة مثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان وبين التحالفات التاريخية الكبرى المتراكمة الخبرة منذ عقود غير أن قراءة متأنية للواقع الجيوسياسي والعسكري تكشف عن بون شاسع بين النموذجين فالتحالفات الكبرى تُمثل هياكل عسكرية مؤسسية مُتكاملًا ومتراكمة الخبرة بينما يفتقر هذا التكتل الثلاثي إلى الأركان الحقيقية التي تصنع حلفاً صلباً وعلاوة على ذلك يبرز بوضوح غياب الثقل المصري الإيجابي كعلامة فارقة تكشف محدودية هذا التكتل وعند إخضاع هذا التحالف للمجهر النقدي يتضح جلياً لماذا يظل بعيداً كل البعد عن كونه تجمعاً عسكرياً عالمي المستوى


أولاً انعدام الاندماج المؤسسي وغياب القيادة الموحدة فالمنظومات الدفاعية الحقيقية ليست مجرد حبر على ورق أو معاهدة شرف بل هي منظومات بيروقراطية وعسكرية ضخمة تضم قيادات عليا موحدة وتخطيطاً استراتيجياً مشتركاً وتوحيداً كاملاً للمعايير العسكرية واللوجستية بحيث تستطيع قوات أي دولة عضو العمل بسلاسة مع أي دولة أخرى وفي المقابل تفتقر الدول الثلاث إلى أي بنية قيادية مشتركة أو غرف عمليات دائمة ومدمجة والجيوش الثلاثة تعمل بمعايير تسليح مختلفة كلياً أمريكية وغربية في السعودية تركية ومحلية في أنقرة وصينية وشرقية ومحلية في إسلام آباد مما يجعل التنسيق الميداني الفوري أمراً شبه مستحيل في حال وقوع مواجهة مفاجئة


ثانياً التباعد الجغرافي ومعضلة خطوط الإمداد وقطع حلقة الوصل الإقليمية حيث تقوم العقائد الدفاعية الصلبة على الاتصال الجغرافي المباشر والعمق الاستراتيجي المتصل مما يسهل نقل القوات والمعدات والدعم اللوجستي براً وبحراً وجواً بسرعة فائقة وفي المقابل تعاني الدول الثلاث من عزلة جغرافية متبادلة فالسعودية في شبه الجزيرة العربية وتركيا في مفترق طرق أوراسيا وباكستان في جنوب آسيا وهنا يظهر بوضوح غياب الدور المصري الإيجابي الذي يمثل عادة حلقة الوصل التاريخية والجغرافية والأمنية الكبرى في العالم العربي وبدون هذا الثقل المركزي المصري تفقد أي منظومة إقليمية في المنطقة عمقها الطبيعي وجسدها الرابط بين آسيا وإفريقيا مما يجعل هذا التشتت الجغرافي يعني استحالة تقديم إسناد عسكري سريع أو نشر قوات متبادلة على بعضها البعض في أوقات الأزمات الخاطفة ويحول الاتفاقية من تحالف عملياتي إلى مجرد تنسيق سياسي وخطابي


ثالثاً تضارب المصالح الاستراتيجية وتناقض الأجندات فالتكتلات الحقيقية ترتكز على عقيدة سياسية وأمنية شبه موحدة لمواجهة تهديد رئيسي محدد أما الدول الثلاث فتحمل كل منها أجندة إقليمية مستقلة وأحياناً متضاربة فتركيا تخوض صراعات متشابكة وتوازنات دقيقة مع قوى كبرى وإقليمية ولها سياسات مستقلة تماماً في الشرق الأوسط والقوقاز وباكستان منشغلة كلياً بصراعها الوجودي والتاريخي مع جارتها على حدودها الشرقية وتتعامل بحذر شديد مع أي تورط عسكري يشتت تركيزها بعيداً عن مجالها الجنوبي والسعودية تقود دبلوماسية إقليمية تهدف إلى تهدئة التوترات وتفرغها التام للتنمية الاقتصادية الكبرى وتحتفظ بالتحفظ على الدخول في محاور استقطاب إقليمية حادة تهدد استقرارها


رابعاً الهشاشة الاقتصادية وغياب القدرة على الاستدامة لكي يصمد أي حلف عسكري يجب أن يستند إلى قواعد اقتصادية راسخة ومستقرة تمول التكاليف الباهظة للتسلح والعمليات والدول الثلاث تعاني في توقيت واحد من أزمات هيكلية خانقة فتركيا وباكستان تواجهان تضخماً طاحناً وديوناً خارجية ضخمة واستنزافاً لمواردهما بينما تركز السعودية حصرياً على توجيه عوائدها المالية نحو مشاريع التحول الاقتصادي الداخلي وهذا الواقع المالي يمنع هذه الدول من تخصيص الموارد الهائلة المطلوبة لإنشاء بنية تحتية عسكرية مشتركة ودائمة تشبه منظومات الإنفاق الدفاعي الضخمة


الخلاصة النقدية إن وصف هذا التحالف بأنه شبه تكتل عالمي هو تضخيم إعلامي لا يمت للواقع بصلة فهو في حقيقته تجمع ضرورة دبلوماسي أو اتفاقية تفاهم استراتيجي فضفاضة وُجدت لتبادل المصالح وصفقات التسليح المحدودة وإرسال رسائل سياسية للخارج أكثر من كونها عقيدة دفاعية صلبة ومع غياب الثقل المصري الإيجابي الذي يمنح أي معادلة أمنية عربية وإقليمية توازنها واستقرارها الحقيقي يبدو هذا التكتل مفتقراً إلى ركيزة أساسية لا غنى عنها ولن يتحول أبداً إلى حلف حقيقي وفعال ما لم تتوافر له البنية المؤسسية والاتصال الجغرافي ووحدة القيادة وتطابق المصالح الجيوسياسية وهي شروط غير متوفرة البتة في الوقت الراهن

NameEmailMessage