إذا كانت الدولة تقول إنها تتحمل... فمن يتحمل الدولة؟!
كل يوم يخرج علينا مسؤول ليقول: "الدولة تتحمل"... تتحمل دعمًا، وتتحمل مشروعات، وتتحمل أعباءً، وكأن خزينة الدولة تُملأ من فراغ.
لكن هناك سؤالًا يرفض أن يموت...
من أين تأتي كل هذه الأموال؟ وأين تذهب؟
أين حصيلة الضرائب التي يدفعها ملايين المصريين؟
أين أموال الجمارك؟
أين حصيلة بيع الأراضي؟
أين عوائد الاستثمارات؟
أين أموال التصالحات؟
أين الصناديق الخاصة؟
أين أموال التأمينات؟
أين إيرادات السياحة؟
أين رسوم الكهرباء والمياه والغاز؟
أين رسوم الشهر العقاري والسجل المدني؟
أين إيرادات الموانئ والمطارات؟
أين عوائد الأوقاف؟
أين إيرادات الجامعات والتعليم؟
أين حصيلة بيع الأصول والمباني الحكومية؟
أين عوائد المشروعات القومية التي تحمل الشعب بسببها سنوات طويلة من الديون؟
أين كل هذه الأموال؟
ثم بعد ذلك يقال للمواطن: اصبر... تحمّل... شد الحزام... لا توجد موارد!
أي موارد؟
دولة بحجم مصر، تمتلك عشرات مصادر الدخل، ومئات المليارات من الإيرادات والرسوم والضرائب والخدمات، ومع ذلك لا يسمع المواطن إلا عن زيادة أسعار جديدة، ورسوم جديدة، وضرائب جديدة، وقروض جديدة.
والسؤال الأخطر...
إذا كانت كل هذه الإيرادات لا تكفي... فمن المسؤول عن إدارة المال العام؟
وإذا كانت تكفي... فلماذا لا يشعر بها المواطن؟
ثم يأتي المشهد الأكثر غرابة...
الشعب يدفع...
والشعب يصمت...
وكأن المطلوب منه أن لا يرى... ولا يسمع... ولا يتكلم.
وفي نهاية كل عام، نفاجأ بإقرار الموازنة العامة للدولة وموافقة مجلس النواب عليها بأغلبية كاسحة، بينما لا يزال المواطن يتساءل عن حقيقة الإيرادات، وأوجه الإنفاق، والعائد الذي عاد على حياته.
إن مجلس النواب، بصفته الجهة المنوط بها دستوريًا مناقشة الموازنة ومراقبة أداء الحكومة، يتحمل مسؤولية سياسية ورقابية كبيرة أمام الشعب. ولذلك يتساءل كثير من المواطنين: هل تمت مناقشة الموازنة بالقدر الكافي؟ وهل مورست الرقابة بما يحقق الشفافية والمساءلة التي ينتظرها المواطن؟
إن استمرار الأعباء الاقتصادية مع غياب المصارحة الكاملة يفتح الباب أمام مزيد من الأسئلة والقلق، بينما يحتاج المواطن إلى كشف حساب واضح يوضح أين تذهب موارد الدولة، وما العائد الذي تحقق منها.
لا أحد يرفض البناء...
ولا أحد يرفض التنمية...
ولا أحد يرفض المشروعات القومية...
لكن الشعب من حقه أن يعرف.
من حقه أن يرى أرقامًا.
من حقه أن يسمع الحقيقة.
من حقه أن يطمئن على مستقبل أبنائه.
المصارحة ليست رفاهية... بل واجب.
والشفافية ليست منحة... بل حق أصيل للشعب.
فإذا كانت الحكومة تطلب من المواطن أن يتحمل، فمن حق المواطن أن يطلب من الحكومة كشف حساب كامل، لأن الأوطان تُبنى بالثقة، والثقة لا تُبنى إلا بالوضوح والمحاسبة.
تحياتي المستشار طارق مقلد
