JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

الغياب... بين ما انطفأ وما يزال ينتظر




ليس الغياب دائمًا رحيلًا تُغلق بعده الأبواب، وتخلو الأماكن من أصحابها. 


أحيانًا يكون الغياب أشدّ خفاءً وأعمق أثرًا؛ أن يبقى الإنسان قريبًا، تراه العين، وتصل إليك أخباره.


وربما تجالسه كما كنت تفعل، بينما تشعر في أعماقك أنه ابتعد إلى مكان لا تبلغه المسافات.


ذلك هو الغياب الذي لا يُرى، لكنه يُثقل الروح.


غيابٌ لا يقتلع الأشياء من أماكنها، بل ينتزع منها المعنى الذي كان يمنحها الحياة. تبقى الأماكن كما هي، لكن شيئًا خفيًّا فيها لا يعود كما كان. 


يبقى الطريق، غير أن الخطوات التي كانت تمنحه دفء الألفة قد غابت، وتبقى الأشياء الجميلة في مواضعها، لكنها تفقد شيئًا من بريقها، كأن الغياب مرّ عليها وترك فوقها غبار الذكرى. 


وحتى التفاصيل الصغيرة التي عبرنا بها يومًا دون أن نمنحها اهتمامًا، تصبح بعد الغياب أثقل من أن تُنسى، قادرةً على أن توقظ في القلب وجعًا لا تستطيع الكلمات الطويلة أن تصفه.


ولعلنا لا نفتقد الغائب وحده، بقدر ما نفتقد أنفسنا التي كانت تسكن إلى جواره.


نفتقد ذلك القلب الذي كان أكثر طمأنينة، والضحكة التي كانت تأتي بلا تفكير، والأحاديث التي كنا نظنها عادية، ثم اكتشفنا بعد فواتها أنها كانت من أثمن ما منحتنا الحياة. 


نفتقد لحظات لم نعرف قيمتها إلا حين أصبحت ذكرى، ووعودًا بقيت معلّقة في منتصف الطريق، وأمنيات لم تجد وقتها المناسب لتولد.


والأقسى من الغياب أن يترك وراءه سؤالًا بلا إجابة.


فليس كل شيء ينتهي بوضوح. هناك حكايات لا يُعلن أحدٌ نهايتها، وعلاقات لا ينطفئ نورها دفعة واحدة، وإنما يخفت شيئًا فشيئًا، حتى لا نعرف: هل علينا أن نودّع، أم أن ننتظر؟


وهنا يبدأ ذلك الصراع الصامت داخلنا؛ جزءٌ من القلب يهمس بأن كل شيء انتهى، وجزء آخر، أكثر عنادًا، يتمسك باحتمال صغير ويقول: ربما لم تنتهِ الحكاية بعد.


نظل عالقين بين يقين الفقد ووهم الرجوع، بين عقلٍ يريد أن يضع النهاية في موضعها، وقلبٍ لا يجيد إغلاق الأبواب التي أحبّ من خلفها أحدًا.


ومع مرور الوقت، لا يطفئ الغياب كل شيء. بعض الأشياء تنطفئ فعلًا؛ شغفٌ كان يملأ الروح، ثقةٌ كانت تمنحنا الأمان، رغبةٌ في الكلام، وأحلامٌ كانت تبدو يومًا قريبة المنال. 


لكن في مكان عميق لا تصل إليه يد الأيام، يبقى شيء صغير يقاوم.


ربما تكون ذكرى لم تستطع السنوات محوها، أو كلمةً لم تُقل، أو اعتذارًا تأخر، أو لقاءً لم يحدث، أو أمنيةً واحدة ظل القلب يخفيها حتى عن نفسه.


ذلك الشيء الصغير هو ما يجعل الغياب أكثر قسوة؛ لأن ما يؤلمنا ليس ما انتهى تمامًا، وإنما ما لم نعرف بعد إن كان قد انتهى.


فالغياب لا يأخذ كل شيء دفعة واحدة. إنه يترك بعض الأبواب مواربة، وبعض النوافذ مفتوحة، وبعض الضوء عالقًا في آخر الممر؛ ثم يتركنا أمام سؤال لا نستطيع الإجابة عنه:


هل ما زلنا ننتظر لأن هناك ما يستحق الانتظار، أم لأننا لم نتعلم بعد كيف نرحل؟


وربما تكون الحكمة في أن ندرك أن الانتظار ليس دائمًا دليل وفاء، كما أن الرحيل ليس دائمًا دليل نسيان. 


أحيانًا يكون الانتظار حبًا، وأحيانًا يكون عجزًا عن تقبّل الحقيقة. وأحيانًا يكون الرحيل هو الطريقة الوحيدة التي نحمي بها ما تبقى منا.


ومع ذلك، هناك غياب لا تنهيه العودة، لأن صاحبه حين يعود قد يجد فينا شيئًا آخر؛ يجد الأماكن التي كان يسكنها وقد تغيرت.


والأبواب التي كان يستطيع الدخول منها وقد أغلقت، وقلبًا تعلم، رغم وجعه، ألا يترك نفسه معلّقة إلى الأبد.


فبعض الغياب ينتهي باللقاء، وبعضه ينتهي بالتصالح، وبعضه لا ينتهي أصلًا.


يتحول إلى ندبة هادئة في الروح، لا تؤلمنا كل يوم، لكنها تذكرنا بأن شيئًا ما مرّ من هنا، وترك أثره ومضى.


وهكذا نمضي في الحياة، نحمل داخلنا عالمين متجاورين.


عالمًا انطفأ، ولم يعد ينتظر شيئًا، وعالمًا آخر لم يمت تمامًا، ما زال يرفع عينيه نحو نافذة بعيدة، لعل الضوء يعود منها ذات يوم.


وبينهما يقف القلب...


لا هو قادرٌ على أن ينسى تمامًا، ولا هو مستعدّ لأن يأمل كما كان.


ومع ذلك، يحتفظ في أعمق مواضعه بشيء لا يستطيع الغياب أن ينتزعه منه:


ذلك الخيط الرفيع من الأمل، الذي كلما ظننا أنه انقطع، اكتشفنا أنه كان آخر ما أبقانا واقفين.

author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة