بقلم: أيمن بحر
يشهد القرن الأفريقى خلال الفترة الحالية تحولات سياسية وأمنية متسارعة تفرض نفسها بقوة على المشهد الإقليمى وتعيد طرح العديد من التساؤلات حول مستقبل التوازنات فى المنطقة ومدى قدرة إثيوبيا على الحفاظ على نفوذها فى ظل الضغوط المتزايدة والتوترات المتصاعدة مع عدد من دول الجوار
وتأتى التطورات فى وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقى حالة من إعادة ترتيب الأوراق السياسية والعسكرية حيث يسعى السودان إلى تعزيز حضوره الإقليمى وحماية مصالحه وأمنه القومى فى ظل التطورات المرتبطة بالبحر الأحمر والحدود مع دول الجوار إلى جانب تنامى أهمية منطقة باب المندب باعتبارها واحدة من أهم الممرات البحرية والاستراتيجية فى العالم
وفى المقابل تظل العلاقات الإثيوبية مع دول الجوار محل متابعة إقليمية واسعة خاصة فى ظل الملفات الخلافية الممتدة والتى تشمل قضايا الحدود والمياه والنفوذ الإقليمى وهو ما يجعل أى تحرك سياسى أو عسكري في المنطقة قابلا للتأثير المباشر على موازين القوى فى القرن الأفريقي
وتتداول بعض التقارير خلال الفترة الأخيرة معلومات عن تحركات عسكرية وتوترات على الحدود الإثيوبية مع السودان وإريتريا إلا أن هذه المعلومات تحتاج إلى التحقق من مصادر مستقلة وموثوقة قبل اعتبارها مؤشرا مؤكدا على انهيار واسع داخل الجيش الإثيوبي أو حدوث تغير استراتيجي شامل في موازين القوى
أما الحديث عن إغلاق المجال الجوي السوداني أو الإريتري أمام الطيران الإثيوبي بصورة كاملة فيحتاج أيضا إلى أدلة رسمية واضحة لأن مثل هذا القرار في حال حدوثه سيكون تطورا كبيرا له انعكاسات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة على المنطقة
وفي قلب هذه التحولات تبرز مصر باعتبارها دولة محورية في المنطقة وتمتلك مصالح مباشرة في استقرار البحر الأحمر وأمن الملاحة وفي الحفاظ على أمنها القومي ومصالحها المائية والإقليمية ولذلك تتابع القاهرة تطورات القرن الأفريقي باعتبارها جزءا من منظومة أمنية مترابطة تمتد من حوض النيل إلى البحر الأحمر وباب المندب
وتدرك مصر أن التعامل مع الأزمات الإقليمية لا يعتمد فقط على التحركات العسكرية وإنما يرتبط أيضا بالدبلوماسية والتحالفات الإقليمية والتنسيق مع الدول العربية والأفريقية المعنية بأمن المنطقة وهو ما يجعل أي تحرك مصري محكوما بحسابات دقيقة تتعلق بالأمن القومي والاستقرار الإقليمي
ويبقى مستقبل إثيوبيا مرتبطا بقدرتها على إدارة أزماتها الداخلية والخارجية والتعامل مع محيطها الإقليمي بعيدا عن التصعيد والمواجهة فإثيوبيا دولة محورية في أفريقيا وأي اضطراب واسع داخلها لن تكون تداعياته محصورة في حدودها بل قد تمتد إلى السودان وإريتريا والصومال والبحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها
وبينما تتحدث بعض التحليلات عن بداية تراجع نفوذ حكومة آبي أحمد فإن وصف الوضع بأنه بداية انهيار النظام أو سقوط الدولة الإثيوبية لا يزال يحتاج إلى مؤشرات أكثر وضوحا وأدلة ميدانية موثوقة فالمشهد الإثيوبي معقد ومتداخل وتتحكم فيه عوامل سياسية وعرقية واقتصادية وأمنية يصعب اختزالها في تطور واحد
والرسالة الأهم أن القرن الأفريقي يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ وأن أي تصعيد بين دول المنطقة قد يفتح الباب أمام تغيرات استراتيجية كبيرة ولذلك ستظل مصر والسودان وإريتريا وبقية القوى الإقليمية والدولية تراقب التطورات عن كثب في محاولة لحماية مصالحها ومنع تحول الأزمات السياسية إلى صراع إقليمي مفتوح
ويبقى السؤال الأبرز خلال المرحلة المقبلة هل تنجح إثيوبيا في احتواء الضغوط المتزايدة وإعادة بناء علاقاتها مع محيطها أم أن استمرار الأزمات والتوترات سيؤدي إلى تراجع نفوذها الإقليمي وفتح الباب أمام خريطة جديدة لموازين القوى في القرن الأفريقي
