كتبت: ساهرة رشيد
في زمن تتزاحم فيه الأخبار على الشاشات، قد تولد حكاية إنسانية في الصباح فتحتل مساحة واسعة من الاهتمام، ثم تتراجع في المساء أمام قصة جديدة. تتداول الصور، تتكرر العبارات، ترتفع المشاهدات، ثم يهدأ كل شيء، وكأن الذاكرة الرقمية لا تمنح الحكاية أكثر من عمر الخبر.
هذه السرعة في استهلاك التجارب الإنسانية تطرح سؤالا أبعد من حدود الخبر: ماذا يبقى للإنسان حين تنتهي موجة الاهتمام؟
ربما هنا تبدأ الحاجة إلى ذاكرة مختلفة، ذاكرة لا تستهلك الألم ولا تعيد إنتاجه، وإنما تحفظ التجربة وتحترم أصحابها وتمنحها معنى يتجاوز لحظة انتشارها.
فالإنسان لا يحتاج دائما إلى أن ينسى ما يؤلمه، بقدر ما يحتاج إلى أن يجد الطريقة الصحيحة لتذكره. ومن هذه المسافة بين النسيان والتذكر، يبدأ التعافي بوصفه رحلة إنسانية تحتاج إلى فهم التجربة، واستيعاب آثارها، وامتلاك مساحة آمنة للتعبير عنها.
«الهدر الإخباري».. حين يصبح الألم محتوى سريعا»
يمكن أن نطلق على هذه الظاهرة «الهدر الإخباري»: حين تتحول تجربة إنسانية مؤلمة إلى محتوى سريع الاستهلاك، يتداول بكثافة ثم يتراجع حضوره بمجرد ظهور قصة جديدة.
ولا تكمن المشكلة في سرعة الأخبار وحدها، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع أصحاب القصص. فحين تختزل حياة الإنسان في صورة أو عنوان أو مقطع قصير، قد نفقد الجانب الأهم من الحكاية: الإنسان نفسه.
وهنا تظهر مسؤولية الإعلام. فالصحافة المهنية لا تتعامل مع التجربة الإنسانية بوصفها مادة قابلة للاستهلاك، وإنما تبحث عن السياق، وتحترم الخصوصية، وتنتبه إلى أثر الصورة والكلمة في أصحابها.
إن التوثيق المسؤول لا يعني إعادة عرض الألم بلا نهاية، بل حفظ التجربة بطريقة تمنحها قيمة إنسانية، وتمنعها من الذوبان في زحام المحتوى.
«الذاكرة الفردية.. حين تتحول الحكاية إلى مساحة للتعافي»
ليست الذاكرة مجرد صندوق يحتفظ بما مضى، بل هي الطريقة التي يعيد بها الإنسان فهم ما عاشه.
وقد يحتاج من مر بتجربة قاسية إلى أن يروي حكايته، لا ليبقى أسيرا لها، وإنما لكي يمنحها معنى يستطيع من خلاله مواصلة حياته. وحين يجد مساحة آمنة ومن يصغي إليه باحترام، يمكن للحكاية أن تخرج من دائرة الصمت إلى مساحة الفهم.
لهذا فإن حفظ القصص الإنسانية لا يعني إبقاء أصحابها داخل الماضي، بل الاعتراف بتجاربهم ومنحها مكانا يحفظ معناها.
فالإنسان لا يستعيد الماضي دائما ليعيش فيه، وإنما قد يعود إليه لكي يفهمه، ثم يمضي.
«الذاكرة الجماعية.. حين يصبح الفن والثقافة لغة للحكاية»
ومع مرور الوقت، لا تبقى بعض التجارب في حدود أصحابها، بل تتحول إلى جزء من الذاكرة الثقافية للمجتمع.
وهنا يأتي دور الفن والثقافة في منح الحكايات الإنسانية أشكالا قادرة على البقاء. فالرواية والقصيدة واللوحة والفيلم والمسرح والموسيقى تستطيع أن تحفظ المشاعر والتجارب بطريقة تتجاوز حدود الوثيقة المباشرة.
وقد تتحول السينما، حين تستند إلى التوثيق والبحث، إلى ذاكرة بصرية تحفظ ملامح زمن معين، تفاصيله، وشخصياته، وأماكنه، لهجته ولغته، وتغيراته الاجتماعية. وبذلك لا يبقى الماضي مجرد معلومات في الكتب، بل يصبح صورة حية تستطيع الأجيال اللاحقة أن تتأملها وتقرأ من خلالها ملامح مرحلة لم تعشها.
وقد يستطيع الفن أحيانا أن يقول ما تعجز اللغة العادية عن قوله، فيمنح التجربة معنى، ويتيح للأجيال اللاحقة أن تتأملها وتتعلم منها من دون أن تعيش تفاصيلها.
أما الثقافة، فلا تكتفي بحفظ الذاكرة، بل تساعد على تهذيبها، بحيث تبقى التجارب الإنسانية حاضرة بوصفها معرفة وخبرة، لا بوصفها جرحا متجددا.
«أن نتذكر من أجل أن نمضي»
التعافي لا يعني محو الماضي، كما أن التذكر لا يعني البقاء أسرى له.
بين النسيان الكامل والاستغراق في الماضي، توجد مساحة أكثر توازنا، مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يتذكر ما عاشه، ويفهم أثره، ثم يواصل طريقه.
ومن هنا تصبح الذاكرة مسؤولية، ويصبح الإعلام شريكا في حفظ الحكايات، ويصبح الفن مساحة للتعبير عنها، وتصبح الثقافة جسرا يصل التجربة الإنسانية إلى الأجيال القادمة.
فربما لا تكمن قوتنا في قدرتنا على نسيان ما يؤلمنا، وإنما في قدرتنا على أن نتذكر بطريقة تمنحنا القدرة على الاستمرار.
فالذاكرة حين تحفظ بوعي، لا تسحب الإنسان إلى الخلف، بل يمكن أن تمنحه ما يحتاجه للنظر إلى الأمام بثقة أكبر.
