بقلم / محمد مصطفى كامل
حين بدأت الخلافة تستعيد نفسها
من المستنجد إلى المستضيء. والخريطة الإسلامية تتغير
في الجزء السابق، تركنا بغداد وهي تستعيد أنفاسها ببطء.
المقتفي لأمر الله لم يُعد الإمبراطورية العباسية إلى ما كانت عليه، لكنه فعل شيئًا أكثر أهمية،
أعاد للخليفة القدرة على أن يقول لا.
وهذه الكلمة وحدها كانت بداية تحول.
لكن بغداد لم تكن تتحرك وحدها.
ففي الوقت الذي كانت فيه الخلافة تستعيد بعض نفوذها في العراق، كان الشرق الإسلامي يشهد صعود قوى جديدة، وكانت الشام تعيش صراعًا مع الصليبيين، وكانت مصر على موعد مع نهاية الدولة الفاطمية.
وفي الأندلس كان التاريخ يكتب قصة أخرى.
فلنترك بغداد قليلًا.
الشام، عندما أصبحت الموصل مفتاح المعركة
كان عماد الدين زنكي قد أصبح قوة لا يمكن تجاهلها.
الموصل في يده.
وحلب دخلت في دائرة نفوذه.
والصليبيون أمامه.
لكن زنكي لم يكن مجرد قائد يواجه الصليبيين.
كان أيضًا رجل دولة يحاول أن يجمع مناطق متفرقة تحت سلطته.
وهنا ظهرت مشكلة يعرفها التاريخ جيدًا.
حين تصعد قوة جديدة، لا تخيف أعداءها فقط بل تخيف حلفاءها أيضًا.
كانت بغداد بحاجة إلى زنكي في مواجهة الأخطار المحيطة.
لكن بغداد كانت تعرف كذلك أن الرجل الذي يملك الموصل وحلب يمكن أن يصبح قوة يصعب التحكم فيها.
وكانت السياسة بين بغداد وزنكي تسير على حبل دقيق.
الخليفة يريد قوة تحمي العالم الإسلامي،لكن لا يريد قوة تتحول إلى سلطان فوق الخلافة.
وفي هذه المساحة الضيقة تحركت بغداد.
ثم حدث شيء هزّ الشام
في سنة 539هـ/1144م، سقطت الرها في يد عماد الدين زنكي.
لم تكن الرها مدينة عادية.
كان سقوطها ضربة كبيرة للوجود الصليبي في المنطقة، وكان له صدى واسع في العالم الإسلامي وأوروبا.
وفجأة أصبح زنكي أكثر من أمير قوي.
أصبح اسمه مرتبطًا بمشروع مقاومة الصليبيين.
لكن التاريخ لا يعطي الرجل وقتًا طويلًا ليستمتع بانتصاره.
بعد سنوات قليلة، قُتل زنكي.
وانتهى الرجل،لكن مشروعه لم ينتهِ.
فقد ترك وراءه أبناءً وقوةً وتجربةً ستنتقل إلى رجل آخر.
نور الدين محمود.
وهنا يبدأ فصل جديد
إذا كان زنكي قد وضع الأساس،فإن نور الدين سيبني فوقه.
تولى نور الدين محمود الحكم في حلب بعد وفاة أبيه، ثم اتسع نفوذه تدريجيًا.
وكان أكثر من قائد عسكري.
كان يرى أن مواجهة الصليبيين تحتاج إلى شيء أكبر من الانتصارات المتفرقة،تحتاج إلى توحيد القوى الإسلامية.
وهنا بدأ المشهد يتغير.
الموصل.حلب.دمشق.مصر.
والخلافة في بغداد.
كلها أصبحت أجزاء من لوحة واحدة.
بغداد تراقب
في بغداد، كان المستنجد بالله قد تولى الخلافة سنة 555هـ/1160م.
وكان المقتفي قد ترك له دولة عباسية أكثر استقلالًا مما كانت عليه من قبل.
لكن المستنجد ورث أيضًا عالمًا مختلفًا.
فالسلاجقة لم يعودوا القوة الوحيدة التي تتحكم في الشرق.
والزنكيون أصبحوا قوة كبرى.
والصليبيون ما زالوا في الشام.
ومصر الفاطمية كانت تعاني من الضعف والانقسام.
والخليفة العباسي كان يرى أمامه فرصة تاريخية،إذا تغير ميزان القوى في الشام ومصر، فقد يتغير موقع بغداد في العالم الإسلامي كله.
وهنا نترك بغداد مرة أخرى.
لأن في مصر كان الستار يستعد للسقوط.
مصر الدولة التي كانت تحتضر
لأكثر من قرنين، كانت مصر تحت حكم الفاطميين.
وكانت القاهرة عاصمة دولة تنافس الخلافة العباسية في بغداد.
خليفة هنا،وخليفة هناك.
دعوة فاطمية في مصر وشمال أفريقيا.
ودعوة عباسية في بغداد.
لكن الدولة الفاطمية في القرن السادس الهجري لم تعد تلك الدولة التي أسسها أجدادها.
الصراع على الوزارة.
ضعف الخلفاء.
تدخل الجند.
وتنافس الوزراء.
حتى أصبح الوزير أحيانًا أقوى من الخليفة نفسه.
ثم ظهر رجل اسمه،شاور.
وبدأت مصر تدخل واحدة من أخطر مراحل تاريخها.
عندما استدعت مصر الخارج إلى الداخل
استنجد شاور بنور الدين محمود.
لكن خصمه استنجد بالصليبيين.
وهكذا أصبحت مصر ساحة صراع بين قوى متعددة.
الفاطميون في الداخل.
الزنكيون القادمون من الشام.
الصليبيون.
وبغداد تراقب.
وفي قلب هذه العاصفة ظهر قائد شاب أرسله نور الدين.
اسمه،صلاح الدين يوسف بن أيوب.
لم يكن أحد يعرف بعد أن هذا الرجل سيصبح واحدًا من أشهر حكام التاريخ الإسلامي.
كان في ذلك الوقت مجرد قائد ضمن مشروع نور الدين.
لكن التاريخ كان يجهز له شيئًا أكبر.
القاهرة، لحظة سقوط الخلافة الفاطمية
تقدم صلاح الدين في مصر.
ومع الوقت أصبح نفوذه يزداد.
وفي سنة 567هـ/1171م انتهت الخلافة الفاطمية.
وعادت الخطبة للخليفة العباسي.
تخيلوا معنى هذا المشهد،
بعد قرنين تقريبًا تعود مصر إلى الاعتراف بالخلافة العباسية.
القاهرة التي كانت مركزًا للخلافة الفاطمية أصبحت تدخل المجال السياسي العباسي.
وبغداد لم تعد وحدها.
لقد امتد نفوذ الدعوة العباسية إلى مصر.
لكن المفارقة أن الرجل الذي أعاد مصر إلى الخطبة العباسية لم يكن الخليفة نفسه.
كان رجلًا آخر سيصبح بعد سنوات أقوى حكام المنطقة.
صلاح الدين.
وهنا بدأت الخريطة تتغير بصورة لم تكن بغداد تتوقعها.
نعود إلى بغداد
في السنة نفسها تقريبًا، تولى المستضيء بأمر الله الخلافة.
كان ذلك سنة 566هـ/1170م.
وكانت بغداد قد قطعت شوطًا طويلًا منذ أيام البويهيين.
الخليفة لم يعد مجرد واجهة.
والعراق أصبح أكثر استقلالًا.
والخطبة العباسية عادت إلى مصر.
والقوى الإسلامية الكبرى أصبحت تتغير.
لكن المستضيء لم يعش طويلًا في الخلافة.
وفي سنة 575هـ/1180م توفي.
وانتقلت الخلافة إلى رجل سيبقى في الحكم عقودًا.
رجل مختلف.
طموحه أكبر.
وأسلوبه أكثر دهاءً.
الناصر لدين الله.
لكن قبل أن نفتح ستار الناصر.
لنذهب إلى الغرب.
وفي الوقت الذي كانت فيه بغداد تستعيد نفسها، كانت الأندلس تفقد وحدتها
بعيدًا عن العراق.
وبعيدًا عن الشام.
كانت الأندلس تعيش تاريخًا آخر.
الخلافة الأموية في قرطبة كانت قد سقطت منذ زمن.
ثم جاءت مرحلة ملوك الطوائف.
مدن كثيرة.
أمراء كثيرون.
وكل أمير يريد أن يحافظ على ملكه.
لكن الخطر كان يكبر.
في الشمال الممالك المسيحية تتقدم.
وفي الداخل،الأندلسيون منقسمون.
ثم جاء المرابطون من المغرب.
يوسف بن تاشفين.
رجل سيعبر البحر إلى الأندلس.
وسيلتقي بألفونسو السادس.
وسيشهد العالم الإسلامي معركة الزلاقة.
وهنا تظهر مفارقة عجيبة:
في بغداد كانت الخلافة تحاول استعادة سلطانها... وفي الأندلس كان المسلمون يبحثون عمن ينقذ وجودهم نفسه.
المشرق يبحث عن الخلافة.
والغرب يبحث عن الوحدة.
والاثنان يواجهان المشكلة نفسها:
كيف يمكن لقوى متفرقة أن تواجه خطرًا أكبر منها؟
لكن التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة نفسها
في الأندلس ظهر المرابطون.
وفي المشرق ظهر الزنكيون ثم الأيوبيون.
وفي بغداد بدأت الخلافة تستعيد نفوذها.
ثلاثة مسارات مختلفة،لكنها تتحرك في عالم واحد.
وكانت بغداد تراقب.
لأن الخليفة العباسي، حتى وهو محاصر داخل العراق، لم يفقد شيئًا مهمًا،الشرعية.
وكان الناصر الذي سيأتي بعد قليل يعرف قيمة هذه الكلمة جيدًا.
الناصر يدخل المشهد
سنة 575هـ/1180م.
جلس الناصر لدين الله على عرش الخلافة.
كان عمره شابًا نسبيًا.
لكن الرجل لم يكن يريد أن يكون مجرد خليفة يعيش في بغداد ويستقبل السفراء.
لقد ورث مشروعًا بدأه المسترشد.
وتابع بناءه المقتفي.
ثم جاء المستنجد والمستضيء.
أما الناصر،فكان يريد أن يأخذ المشروع إلى مستوى آخر.
لم يكن يريد استعادة إمبراطورية العباسيين القديمة بالسيف.
كان يعرف أن ذلك لم يعد ممكنًا.
فالدول أصبحت أقوى.
والسلاطين أصبحوا مستقلين.
والعالم الإسلامي لم يعد دولة واحدة.
إذن،ما الذي يمكن للخليفة أن يفعله؟
هنا بدأت الفكرة الأخطر.
إذا لم يستطع الخليفة أن يحكم الجميع فهل يستطيع أن يجعل الجميع يحتاجون إليه؟
الشرعية، سلاح لا يرى
كان الناصر يدرك أن الخليفة العباسي يمتلك شيئًا لا يملكه معظم السلاطين:
الشرعية التاريخية والدينية.
كان اسم العباسيين لا يزال مرتبطًا بفكرة الخلافة.
والحكام يحتاجون إلى الاعتراف.
والعلماء يحتاجون إلى مركز رمزي.
والناس يحتاجون إلى صورة للوحدة.
فبدأ الناصر يستخدم الخلافة بطريقة أكثر نشاطًا.
رسائل.
سفارات.
علاقات.
تحالفات.
رموز.
ومحاولات للتأثير في القوى المختلفة.
لقد فهم أن بغداد يمكن أن تكون ضعيفة عسكريًا،لكنها ليست بالضرورة ضعيفة سياسيًا.
وهنا بدأت الخلافة تستخدم سلاحًا لا يحتاج إلى جيش كبير،
الهيبة.
لكن الناصر لم يكتفِ بالهيبة
كان يريد أن يصل إلى المجتمع نفسه.
ولهذا ارتبط عهده بتوسيع حضور نظام الفتوة وتنظيمه تحت مظلة الخلافة.
الفتوة لم تكن مجرد تدريب أو تجمع للشبان.
كانت تحمل قيم الشهامة والكرم والنبل والمروءة.
والناصر حاول أن يجعلها جزءًا من مشروعه السياسي والاجتماعي.
وكأن الخليفة يقول،أنا لست مجرد رجل يجلس خلف جدران القصر.
أنا حاضر في المجتمع.
حاضر في رموزه.
حاضر في شبكاته.
وحاضر في ولاءات الناس.
وهكذا بدأت الخلافة العباسية تدخل مرحلة جديدة.
لكن هناك في الشرق رجلًا آخر لم يكن ينظر إلى بغداد بإعجاب
في أقصى الشرق!
كانت قوة جديدة تكبر.
الخوارزميون.
دولة واسعة.
جيش قوي.
وسلاطين يطمحون إلى السيطرة على مناطق واسعة من العالم الإسلامي.
وكان الناصر يعرف أن هذه القوة قد تصبح خطرة.
لأن التاريخ يعلمنا أن السلطان الذي يملك جيشًا كبيرًا لا يحب عادةً أن يسمع أن هناك رجلًا آخر، في مدينة أخرى، يملك حق الشرعية فوقه.
وبدأت العلاقة بين بغداد والقوى الشرقية تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا.
لكننا لن نكشف كل شيء الآن.
لأن في أقصى الشرق،كان طفل قد وُلد في السهوب.
لم يكن أحد في بغداد يعرف اسمه.
ولم يكن أحد يتصور أن هذا الطفل سيصبح يومًا قائدًا لجيوش ستعبر آسيا.
اسمه،تموجين.
وسيعرفه التاريخ باسم آخر،
جنكيز خان.
بغداد لا تعرف بعد،أن الخطر القادم لن يكون من سلطان يريد انتزاع العراق.
ولا من قوة صليبية تريد مدينة.
ولا من أمير يريد لقبًا.
هذه المرة،سيأتي الخطر من عالم مختلف تمامًا.
من وراء الجبال.
من أعماق آسيا.
وسيبدأ الأمر بصراع بين المغول والخوارزميين.
ثم ستتحول المطاردة إلى اجتياح.
ثم تتحول الحرب إلى كارثة.
ثم ستتحرك الجيوش غربًا.
نحو فارس،ثم العراق،ثم بغداد.
لكن هذا كله لم يحدث بعد.
فالناصر ما زال في بغداد.
والخلافة ما زالت تحاول استعادة سلطانها.
والعالم الإسلامي ما زال يظن أن أخطر ما يواجهه هو الصليبيون.
ولم يكن أحد يعرف أن التاريخ كان يفتح ستارًا آخر،ستارًا سيظهر خلفه جيش لم تعرفه المنطقة من قبل.
وفي الطرف الآخر من العالم
كان جنكيز خان قد بدأ بناء إمبراطورية.
ومن هنا تبدأ الحكاية التي ستقودنا، بعد عقود قليلة، إلى السؤال الأصعب،
كيف انتقلت جيوش المغول من سهوب آسيا إلى أبواب بغداد؟
