JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

هل ينجح الزواج باختلاف الجنسيات ... أم أن النجاح تصنعه منظومة القيم؟

 



بقلم المستشار الدكتور خالد السلامي


قراءة شرعية واجتماعية ونفسية في أحد أكثر الأسئلة إثارة للجدل في العصر الحديث ( الجزء الأول )


ليس من السهل أن تكتب عن الأسرة .. فأنت لا تتحدث عن عقدٍ بين رجل وامرأة، وإنما عن وطنٍ صغير، تُبنى فيه الأجيال، وتتشكل فيه شخصيات الأبناء، ويُصنع فيه مستقبل المجتمعات.


ولذلك، فإن انهيار أسرة واحدة لا يعني انفصال زوجين فحسب، بل قد يعني ولادة طفل يحمل في داخله خوفاً لا يراه أحد، أو فتاة تكبر وهي تبحث عن الأمان الذي كان يجب أن تجده بين والديها.


ومن بين الأسئلة التي أصبحت تتكرر كثيراً في المجالس، ووسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي:

هل الزواج من جنسية أخرى أكثر عرضة للفشل؟

وهل اختلاف الجنسية هو السبب الحقيقي للمشكلات؟

أم أن القضية أعمق من ذلك بكثير؟


لقد رأيت من خلال عملي، ولقاءاتي، وقراءاتي، ومن خلال ما عرض عليَّ من قضايا أسرية، أن الناس كثيراً ما يبحثون عن السبب الأسهل، ويتركون السبب الحقيقي.


فعندما يفشل زواج بين شخصين من بلدين مختلفين، يقال: «"المشكلة في اختلاف الجنسية."» وعندما يفشل زواج بين شخصين من البلد نفسه، يقال: «"هذا نصيب."» بينما الحقيقة أن النجاح والفشل لا يعترفان بجواز السفر.


القرآن الكريم... لم يجعل الجنسية معياراً لو كان اختلاف الأوطان سبباً في فشل الزواج، لكان القرآن أول من أشار إلى ذلك. لكن الله سبحانه وتعالى يقول: «﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]»


تأمل الآية لم يقل الله: لتتنافسوا... ولم يقل: ليتفاخر بعضكم على بعض... بل قال: ﴿لتعارفوا﴾ أي أن اختلاف الشعوب والقبائل سنة كونية، وليس سبباً للصراع. ثم وضع المعيار الحقيقي: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فالميزان ليس اللون... ولا اللغة... ولا الجنسية... بل التقوى. ولكن... هل يكفي الدين وحده؟


هنا يقع كثيرون في خطأ كبير. فالبعض يظن أن مجرد انتماء الإنسان إلى الإسلام يعني أنه سيكون زوجاً ناجحاً. وهذا غير صحيح. فالإسلام دين... أما التدين فهو سلوك. كم من إنسان يحفظ النصوص، لكنه لا يحسن معاملة زوجته. وكم من إنسانة تحفظ القرآن، لكنها لا تعرف معنى السكينة داخل بيتها.


ولذلك قال النبي ﷺ: ««خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.»» فجعل معيار الخيرية يبدأ من البيت. المودة والرحمة... قبل الحب يلفت القرآن الكريم الأنظار إلى حقيقة يغفل عنها كثير من الأزواج.


قال تعالى: «﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]» ومن اللافت أن الآية لم تقل: "وجعل بينكم حباً." بل قالت: مودة ورحمة. لأن الحب شعور قد يضعف أو يقوى... أما المودة فهي قرار. والرحمة أخلاق. ولهذا تستطيع بعض الأسر أن تعيش خمسين عاماً، رغم أن الحب الأول قد تغير شكله، لكن المودة بقيت، والرحمة بقيت، والاحترام بقي.


أما حين تغيب الرحمة، فإن أجمل قصة حب قد تتحول إلى ساحة نزاع. هل المشكلة في اختلاف الجنسية؟ بعد سنوات من التأمل، أستطيع أن أقول: ليست المشكلة في اختلاف الجنسية... وإنما في اختلاف منظومة القيم. فالزوج الذي يرى أن الأسرة مسؤولية، سيبقى مسؤولاً أينما وُلد. والزوجة التي تؤمن بأن الزوج شريك حياة لا خصم، ستبقى كذلك مهما كان وطنها. أما من تربى على أن الانتصار في الخلاف أهم من الحفاظ على الأسرة، فلن تغيره جنسية، ولن يصلحه جواز سفر.


إن الجغرافيا لا تصنع الأخلاق... بل التربية هي التي تصنعها. ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي زواج ليس: من أي بلد هو؟ بل: كيف يفكر؟ وكيف يحترم؟ وكيف يغضب؟ وكيف يختلف؟ فهذه الأسئلة هي التي تحدد مستقبل الأسرة، لا اسم الدولة المكتوب في جواز السفر.

يتبع...

author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة