"عشاق النوبة"... حين ينتصر الفن الأصيل على الضجيج
من تنظيم ودادية عملة وموظفي بلدية نابل
في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وأصبحت الشهرة تُقاس بعدد المشاهدات لا بقيمة الإبداع، وغزت الساحة الفنية موجةٌ عارمة من الأعمال السطحية التي تُولد بسرعة وتختفي بسرعة أكبر، يطل علينا عرض "عشاق النوبة" ليؤكد حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: الفن الأصيل لا يموت، لأن جذوره ضاربة في أعماق الوجدان.
لقد أصبح المشهد الفني اليوم أشبه بساحةٍ مزدحمة بالضجيج، حتى كاد الذوق الرفيع أن يتحول إلى استثناء، وكادت الأغنية الأصيلة أن تُزاحَم بألوانٍ من العبث الفني الذي لا يترك أثرًا في الروح ولا يسكن الذاكرة. لكن النوبة، بكل ما تحمله من سحرٍ وجمالٍ وصدق، تعود لتعلن أن الزمن قد يتغير، غير أن الفن الحقيقي يظل أقوى من كل العواصف.
ومن قلب مدينة نابل، عاصمة الوطن القبلي، وفي إطار فعاليات مهرجان نابل الدولي في دورته الثامنة والثلاثين، يأتي العرض الفرجوي الفلكلوري الكبير "عشاق النوبة"، من تنظيم ودادية عملة وموظفي بلدية نابل، ليعيد الاعتبار إلى مدرسة فنية عريقة صنعت وجدان أجيال كاملة، وأثبتت أن الموسيقى ليست مجرد أصوات وإيقاعات، بل هي ذاكرة شعبٍ وتاريخ وطنٍ وهوية أمة.
إن "عشاق النوبة" ليس مجرد سهرة فنية عابرة، بل هو احتفاءٌ بالتراث، وانتصارٌ للجمال، ورسالة واضحة مفادها أن تونس ما زالت تنجب المبدعين القادرين على حماية ذاكرتها الفنية من النسيان.
وسيكون عشاق الطرب الأصيل على موعد مع هذه الليلة الاستثنائية يوم الاثنين 3 أوت 2026، بداية من الساعة العاشرة ليلًا، على ركح مسرح الهواء الطلق بنابل، حيث تمتزج الألحان بالمشاعر، وتتحول الأنغام إلى حكاياتٍ ترويها الأرواح قبل الآذان.
ولأن نابل كانت دائمًا مدينة للحياة والثقافة والفنون، فإنها تؤكد مرة أخرى أنها لا تفتح أبوابها للعروض الفنية فحسب، بل تفتح أبوابها أيضًا للفرح والأصالة والإبداع.
ويبقى السؤال الكبير مطروحًا: هل ما زال للفن الأصيل مكان وسط هذا الضجيج؟
أما الإجابة، فلن يكتبها النقاد، ولن تصنعها منصات التواصل الاجتماعي، بل ستكتبها الجماهير بنفسها، عندما ترتفع التصفيقات وتتعالى الأصوات معلنة أن الفن الجميل لا يشيخ، وأن النوبة ستظل واحدة من أجمل العلامات المضيئة في ذاكرة الموسيقى التونسية.
إنها ليست مجرد سهرة، بل هي معركة ينتصر فيها الذوق الرفيع على الابتذال، والأصالة على الزيف، والإبداع على الضجيج.
كونوا في الموعد... لأن بعض الليالي لا تُروى، بل تُعاش.
هنا نابل 💬
حيث تبدأ الحكاية، وحيث يبقى الجمال عنوانًا للحياة.
مع خالص تحيات المعز غَنِـي
كاتب وإعلامي من مدينة نابل
عاشق الترحال وروح الاكتشاف.
