الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
دولة الجزائر
قراءة فلسفية تأملية
منذ أن شرع الآدمي في تأمّل موقعه داخل هذا الكون، استقرّ في وعيه اعتقاد راسخ يمنحه مرتبة سامية على سائر المخلوقات، حتى صار وصف الأنعام بالدناءة أمرا مألوفا، وأضحى العقل الآدمي ميزانا جاهزا للتفضيل. غير أنّ التمعّن في عالم الدوابّ بعين الراصد، وتتبّع مسالكه في البرّيّة، واستقراء قوانين مجتمعاته، يفتح أمامنا استفهاما مغايرا: ماذا لو قيست الأفضلية بمقاييس السلوك، وحفظ الحوزة، ورعاية الصغار، والوفاء للنظام الفطري، ومدى الأذى الذي يسبّبه الكائن لغيره؟ عند تلك المسألة تتحوّل الدابّة البريّة إلى مرآة تكشف الهوام الآدمي. "وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". تتسع صورة الدابّة لتشمل عالما هائلا من الكائنات، لكل نوع منها بنيته، وحركته، ومجال حيزه، وإشاراته، ونظامه الاجتماعي، وطرائق تعامله مع المحيط والكائنات المجاورة.
فلنبدأ الرحلة من البرّيّة. فهنالك مناطق مخصّصة للرعي، وأخرى للكلأ، ومصادر للماء، وأماكن للمبيت، ومواضع للتكاثر والتحصين. تحمل كل مساحة إشارات أصحابها. تترك الطيور ريشها، وتخلّف الحيوانات آثار أقدامها، ويفرز بعضها روائح، ويحدّد آخر مجاله بإفرازاته أو احتكاكه بالأرض والنبات والصخور، وتترك الجواميس روثها في مواقع محدّدة، فتصير الأرض سجلّا مفتوحا تقرؤه الكائنات التي تعبر لاحقا. يعدّ الأثر بالنسبة للحيوان معلومة، والرائحة رسالة، والمجال حدود ينبغي استيعابها واحترامها.
يمرّ ذئب في منطقة، فيلتقط رائحة ذئب آخر. يدنو من الأثر، يشمّه، ثم يقرأ الرسالة التي خلّفها صاحب المجال. قد يتراجع أو يتّخذ وضعية حذر أو يستعد للمواجهة بحسب النوع والسياق الاجتماعي. يمرّ طائر، فيجد ريشا في موضع معيّن، فيقرأ إشارة تتعلّق بفرد أو عشّ أو منطقة. يدنو كلب بريّ من إناء ماء، ثم يقدم كلب آخر، فيلتقط برائحته آثار الأول، فتتبدّل استجابته بحسب السياق. وهكذا تعدّ الحواس نظاما للاتصال الصامت بين أفراد النوع الواحد.
حتّى الماء يحمل ذاكرة حسّية. يلعق ثعلب الإناء، ثم تقبل حيوانات أخرى فتفحص المكان بحاسّة الشمّ. وعندما يترك حيوان لعابه أو شعره أو فضلاته على الطعام أو العشب، تستطيع حيوانات أخرى التقاط تلك الآثار والتعامل معها وفق إشارات البيئة. يعيش الحيوان وسط عالم من استشعار الخطر بالروائح والآثار، يقرؤها باستمرار، ويوظّفها في التعرّف إلى الكائنات، وتتبّع المسارات، ورصد الغرباء، وتحديد المجال، والتنبيه عن بعض حالات التزاوج والتنافس.
وفي عالم الجواميس، والضباع، والدببة، والنمور، والسباع، والكلاب، والقطط البرّيّة، والأفاعي، والقنافذ، والجرذان، والخيول، والحمير، والبقر، والبقر الوحشي، والأرانب البرّيّة، والطيور، تتعدّد الأنظمة والسلوكيات، فيما تبقى الحواس إحدى أهم أدوات استقراء المحيط. لكل نوع منظومته الخاصة، ولكل جماعة علاقاتها، ولكل فرد إشاراته التي تزوّد الآخرين بالحذر.
ومن هنا تبرز الغيرة والتنافس في عدد من المجتمعات الحيوانية. الذكر يحرس مجاله أو شريكته بحسب نظام النوع، والأنثى تنتقي وفق إشارات صوتية جسدية وسلوكية وكيميائية، والفرد يراقب منافسيه، وقد يخوض مواجهة دفاعا عن نطاقه أو شريكته. النطح بالقرون، والزمجرة، وإظهار الأنياب، والعواء والعضّ، والرفس، والضرب بالمخالب، والمطاردة، كلها لغات ميدانية توظّفها الأنواع المختلفة لحسم المسافات.
فجاموس البراري إذا ترى ذكرا يقترب من مجالها. ترفع رأسها، تراقب، تشمّ، ثم تستعدّ بقرنيها إذا استدعى الموقف ذلك. ومعز الجبال تدنو من الإناث، فتقرأ إشاراته، ثم تتّخذ موقفها. وفي البرّيّة الإفريقيّة، تراقب اللبؤة الأسد، ويقرأ كلّ منهما إشارات الآخر. وعند الحمير الوحشية والخيول وغيرها من الأنواع، تدخل الرائحة والسلوك والبنية الاجتماعية في منظومة التعارف والانتقاء والتنافس.
حتّى القردة الشمبانزي، الخنازير وقطط السنوريات والطيور المهاجرة تقدّم نماذج اجتماعية مختلفة. بعض الأنواع تظهر فيها المنافسة بين الذكور، وبعضها يعيش في جماعات ذات علاقات متعدّدة، وبعضها يميل إلى أنماط زوجية أو شبه زوجية. ويقدّم الدجاج الأليف نموذجا اجتماعيا مغايرا، حيث تتداخل علاقات الذكور والإناث داخل القطيع، فتظهر فيه أنظمة تكاثريّة أكثر تعدّدية من الأنظمة القائمة على الإكتفاء بالتزاوج المنفرد. وهنا يصير عالم الحيوان أكثر ثراء من أيّ قاعدة واحدة يمكن تعميمها عليه.
وبناء عليه يعيش الهوام الآدمي داخل مجال شخصي بالغ الوضوح. يبني البيت، ويقيم الجدران، ويغلق الأبواب، ويحيط أسرته بمساحة خاصة، ويسدّ الطريق ونوافذ السيارة، ويصنع حدودا وهمية للمكان الذي يقطن فيه. وكما يترك الدوابّ أثرا جسديّا أو رائحة أو ريشا أو شعرا أو فضلات، يلقي الهوام الآدمي في عالمه أثرا عبر رفع الصوت وإقامة الجدران وقفل الأبواب وإرسال علامات التحذير والحدود القانونية والاجتماعية.
وهنا تتجلّى المفارقة التي تبنى عليها هذه القراءة؛ الدوابّ تعلن عن مجالها بوسائل الطبيعة، والهوام الآدمي يحدّد بيئته بالوسائل الصناعية. تقول الأنعام لمن حولها أن هذا مجالها، من خلال الرائحة والآثار والسلوك. ويقول الهوام الآدمي أن هذا مجاله، عبر الارتكان أمام البيت والباب والجدار والقانون.
فحين تقترب من العلاقات الشخصية للدوابّ. في التصوّر الرمزي، يمكن النظر إلى الجسد باعتباره مجالا يحمل آثار رائحة من مرّوا به، كما تحمل الأرض آثار الكائنات التي عبرتها. ريش، شعر، لعاب، عرق، إفرازات، وآثار احتكاك، كلها تصبح في مخيال الأنعام علامات قابلة للإستشعار. وإذا نقلنا هذا النموذج إلى الهوام الآدمي، يصبح بدوره الجسد أيضا أشبه بسجلّ يحمل آثار التجارب السابقة للعلاقات.
وعليه تتشكّل صورة ونمط الهوام الآدمي التي تدخل مجالات كثيرة، وتختلط بأشخاص متعددين، ثم تعود إلى حيز جديد وتطلب من كائن آخر أن يشاركها هذا النطاق. وفي الصورة المقابلة، يأتي هامّة يحمل تاريخا من علاقات متعدّدة، سواء كان ذكرا أو أنثي، فيطالب بشريك يحافظ على تصوّر مختلف للعلاقة. ووفقا لذلك تنبثق المفارقة الأخلاقية؛ هوام آدمي يريد مجالا نقيا وفق معاييره، بينما يحمل هو نفسه آثار علاقات جسدية حميمية متعدّدة.
في هذا النموذج الرمزي، لو امتلكت الهوام الآدمية حاسة شمّ شبيهة بالدواب، لتكشّف لهم أن أجسادهم تحوّلت إلى خريطة لترويج روائح، وأصبح كلّ احتكاك سابق أثرا قابلا للإستقراء. إناث تحمل آثار ذكور نتيجة تزواج متعدد، وذكور تحمل آثار قبيلة من الإناث بعد تزواج متعدّد، ثم يدخل كلّ منهما إلى مجال هامة آخر. في مخيال الدوابّ، تصبح الرائحة وسيلة لكشف تاريخ الرقعة، ويصير النفور جزءا من الرفض القطعي.
وتتضاعف الحدّة حين تقرأ عن هامة مرّ بمناطق كثيرة، فاختلطت عليه الروائح والآثار. دخل منطقة كلب بريّ، وحمل رائحة تلك الكلاب. دخل محيط الضباع، وحمل رائحة تلك الضباع. دخل دائرة الذئاب، وحمل رائحة الذئاب. دخل أرض الدببة، وحمل رائحة الدببة. ثم ظهر أمام كائن حافظ على مجاله الخاص، فأصبح يرى القادم على أنه يحمل كومة من الروائح تتعلّق بإختراقه لأماكن عديدة.
تعكس هذه الصورة فكرة محوريّة في هذه الدراسة البحثية؛ إذ تتعامل الدوابّ البرية مع المكان باعتباره مساحة خاصة بصاحبها وإشارات حدودية، بينما يستطيع الهوام الآدمي أن يعبر مناطق كثيرة ثم يطلب من الآخرين التعامل معه وفق صورة ينتقيها هو عن نفسه.
ومن ثم تظهر الغيرة.
كلب حراسة يدنو من إناء لعقه كلب بري آخر، فيشمّ الإناء ويقرأ أثر السابق. كافة الدوابّ حينما يقترب متطفّل من مجال الشريك، فيحدّد بحاسة الشمّ أي إشارات تدلّ على إقترابه من دابة أخرى، فتظهر المنافسة. قرد يرى منافسا يدنو من شريكته، فتظهر المواجهة. حيوان يرى آثار منافس داخل منطقته، فيستجيب وفق نظام جماعته. هذه المشاهد تجعل الغيرة جزءا من عالم الدابّة البرية في صور متعدّدة، مع اختلافها بين الأنواع.
ثم إذا وضع الهوام الآدمي في المشهد نفسه.
ذكر يعرف أنّ أنثى لها تاريخ من السوابق في العلاقات مع ذكور آخرين، وأنثى تعرف أنّ ذكرا له تاريخ مديد من العلاقات الجسدية الحميمية السابقة. وحينئذ تدخل اللغة والعقل والذاكرة والقيم الاجتماعية والدينية في القرار. وقد يختار الهامة الآدمي القبول، وقد يختار الرفض، وقد يختار أن يبدأ علاقة جديدة على أساس الخوف والعجز.
لكن السؤال الذي يطرح؛ إذا كانت دابّة البراري تتعامل مع المجال والشريك والغيرة والآثار وفق نظامها الفطري، فماذا يصنع الهامة الآدمي بالعقل الذي أُكرم به؟
الإجابة في المقارنة بين عقل من عالم الهامة الآدمي؛ وبين من لا عقل لهم من الدوابّ البرية؛ ؟!
يفتح الكتاب المنزّل من السماء عالما واسعا عن الدوابّ. فمثالا: البقرة الدابّة تدخل في قصة بني إسرائيل في كيفية إحياء الموتى، والكبش يدخل في قصة الفداء العظيم للنبي اسماعيل، والهدهد يحمل إلى الملك سليمان نبأ يقين فقال: الدابة الهدهد
أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
والنملة الدابّة تتحدث إلى قومها وتحذّرهم من الخطر،
"حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ"،
والنحلة يوحي الله إليها بالشفاء،
"وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ"
والحوت اقترن بنجاة النبي يونس، والذئب يتبرّأ من دم يوسف الصديق،
هذه هي الدوابّ التي تتّهم من بني آدم، على أنها بلا عقل، والطير الأبابيل أهلكت الكفّار بالحجارة في قصة أصحاب الفيل، والأنعام تحمل الجمال والدفء والمنافع والطعام، والجمل آية من آيات الله في خلقه، والخيل والبغال والحمير ترتبط بالركوب والزينة.
ثم يأتي الحوت الصغير في قصة أعلم الخلق الخضر العبد الصالح، حين كان علامة للنبي موسى وفتاه. فتلاحظ أنه لطالما كانت الأنعام ضحية لرواية آدمية كاذبة.
وحتى الذباب والبعوضة آيتين ومثلين. "إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا"، ويقول "ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ" في مثال الذباب. وهنا تصبح أصغر الكائنات مدخلا إلى التأمّل في القدرة والخلق.
تظهر روايات وقصص أخرى اجتمع فيها الدوابّ بالأنبياء والصالحين، ومنها روايات عن إرضاع السباع للنبي دانيال في المهد، كما اقتران أبو هريرة بحبّه للقطط حتى صار اسمه مشهورا بها. وهذه المادة التراثية تزيد من حضور دوابّ في الذاكرة الدينية والإنسانية.
أين تكمن الأفضلية؟
هل يملك الهامة الآدمي عقل حقا ليصبح أفضل من كلّ الدوابّ البرية؟
أم أن العقل معيار حين يظهر أثره في سلوك الدوابّ؟
يقتل الدابّة ليأكل، ويقاتل ليدافع، ويحمي صغيره، ويحافظ على مجاله، ويتبع نظام نوعه. فهل يستطيع الهوام الآدمي أن يفعل أكثر بكثير؟ رغم أنه معروف كونه يخطّط أو يفسد، ويصنع أو يهدم، وينظّم أو يبعثر، ويؤثّر في الهوام الآدميين من حوله. وهذه القدرة تمنحه إمكانية لفعل الخير، وتمنحه في الوقت ذاته قدرة هائلة على الأذى لبني جنسه؛ خيانة أو اعتداء أو اغتصاب أو قتل للأطفال أو تعاطي للمخدرات وشرب للمسكرات...، وأذية كل الدوابّ الأخرى.
يستطيع الدابّة البريّ أن ينقضّ على فريسته وإن رأها أم تحمل جنينا في بطنها أو تحمي صغيرها يتراجع فورا، ثم يعود إلى موطنه. يستطيع الهوام الآدمي أن يصنع سلاحا فتّاكا، ويشعل حربا، ويبني سجنا، وينظّم التعذيب، ويروّج للمخدّرات، ويؤسّس تجارة لها، ويحوّل الأذى إلى منظومة واسعة. يستطيع أن يشتم، وأن يهين، وأن يغتصب، وأن يستغلّ الأطفال، وأن يدمّر بيئة بأكملها، وأن يقتل أفرادا من نوعه على نطاق هائل.
هل رأيت في البرّيّة دابّة يؤسّس لأذية قطيع؟ هل رأيت ذئبا ينظّم لتزاوج جماعي؟ هل رأيت دبّا يبني وكرا لتعذيب الدببة؟ هل رأيت أسدا يضع حيلة لإذلال أسد آخر عبر اللبوءة؟ هذه الصور تنتمي إلى عالم الهوام الآدمي وقدرته على التخطيط والتنظيم واستخدام المكر في اتجاهات مدمّرة.
وقد يلتقط دابّة مادة سامة في بيئته، تؤثّر في سلوكه، قد وضعها له هامة آدمي، يتأثر بها سلوك الدابّة لفترة ثم يعود إلى نمط حياته. أمّا الآدمي الهامة فيستطيع أن يصنع الضرر، ويكرّر إنتاجه، وينظّم توزيعه، ويحوّله إلى تجارة، ويؤثّر بها في إخوته.
وبالتالي يظهر الفرق بين العاقل ومن يزعم أن له عقلا.
العقل الذي من المفترض أن يبني الحضارة، يستطيع أن يبني الجريمة.
ولهذا يصير الاستفهام عن الأفضلية أكثر عمقا من مجرّد مقارنة القدرات.
يمتلك الدابّة أفضل عقل وغريزة.
ويمتلك الهوام الآدمي أقوى غريزة وأدنى عقل. لأن العقل يمنح صاحبه مسؤولية؛ فكلّما ازدادت القدرة، ازدادت المسؤولية.
وكلّما اتّسع الإدراك، اتّسع أثر القرار.
وكلّما امتلك الآدمي وسائل أقوى، أصبحت أفعاله أكثر إفسادا.
ومن هنا يمكن أن نقول إن الدابّة في القرآن يقدّم نموذجا شديد الالتزام بنظامه الفطري، بينما تقدّم الهامة الآدمية نموذجا مفتوحا على الاختيار. تعيش الدابّة وفق قوانين نوعها، وتستطيع أن تختار بين الرحمة والقسوة، وبين الوفاء والخيانة، وبين البناء والهدم، وبين حماية أخيها وإيذائه.
إلا أن الهوام الآدمي وإن خيّر، اختار الفساد والتحطيم.
وبناء عليه تنقلب المعادلة، تصبح الأفضلية فعلا ومسؤولية وسلوكا يوميّا.
ومن هنا يطرح سؤال لم يجرأ أحد أن يطرحه؛ قد يتفوّق الأنعام على الهامة الآدمي في المعايير الأخلاقية والسلوكية حين يقدّر الكائن بما يفعله داخل نظامه الطبيعي.
الدابّة تحمي صغيرها.
الدابّة تبحث عن غذائها.
الدابّة تعرف مجالها.
الدابّة تقرأ آثار الآخرين.
الدابّة تستجيب للغيرة والتنافس وفق نظام نوعها.
الدابّة تعود إلى مأواها.
ثم تترك المجال للطبيعة كي تكمل دورتها.
أمّا الهوام الآدمي، فقد تجاوزت حاجاتها الأساسية إلى عالم واسع من الرغبات والصراعات والتملّك والسيطرة. يستطيع أن يدخل مجالات الآخرين، وأن يطالبهم بقبوله رغم فساده، وأن يفرض نفسه، وأن يوظّف اللغة لتبرير أفعاله، وأن يحوّل ارتكاب كبائر الفواحش الفردية إلى رواية تبريرية.
ومن هنا تتجلّى المفارقة الكبرى؛
يعيش الدابّة داخل الطبيعة،
ويستطيع الهامة الآدمي أن يخترق الطبيعة.
تترك الدابّة أثرا، في حين يترك الهامة الآدمي كارثة تذهل الطبيعة برمّتها.
يقتل الدابّة فريسة واحدة.
ويستطيع الهامة الآدمي أن يبيد مدينة.
يحمي الحيوان صغيره.
ويستطيع أن يستغلّ أضعف أفراد مجتمعه.
فمن الأكرم بالعقل؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحا أمام القارئ.
اعتاد الهامة الآدمي أن يقول أنه أفضل من الدابّة لأنه عاقل.
لكن السؤال المقابل أكثر صرامة؛
ماذا صنع بهذا العقل؟
فهل وظّفته في المعرفة والرحمة والعدل وحماية الأرض والضعيف، وهل ارتقيت به.
أم وظّفه في الحرب والاستغلال والجريمة والفساد، فحوّلت ميزة العقل إلى عبء أخلاقي.
ومنه تصير الدوابّ التي تحدّث عنها القرآن مرآة واسعة للآدمي.
الكائن الذي يستطيع أن يقرّر ماذا يفعل بهذه الأفضلية.
وتنتهي الرحلة بالسؤال الذي يضع الهامة الآدمي أمام مرآته؛
إذا كانت الدابّة تعرف مجالها، وتحفظ جماعتها، وتحمي صغارها، وتقرأ آثار الآخرين، وتعيش وفق نظامها الفطري، بينما لا يستطيع الهامة الآدمي بعقله أن يصنع الخير والشرّ على نطاق واسع، فأيّهما يستحقّ لقب الأفضلية؟
ربّما تكون الإجابة في الفعل ذاته.
الأفضلية التي تُقال بالكلمات تحتاج إلى سلوك يثبتها.
والآدمي الذي يريد أن يكون أفضل من الدابّة، يستطيع أن يبدأ من المكان الذي جعله مختلفا عنه فعلا؛
من العقل.
ثم يحوّل العقل إلى وعي.
والوعي إلى رحمة.
والرحمة إلى مسؤولية.
والمسؤولية إلى فعل.
عندها فقط يصبح جديرا بالأفضلية التي منحها لنفسه.
أمّا الدابّة، فقد ظلّ طوال الرحلة عاقلا صامتا على هذه الحقيقة؛
غالبا ما تكشف الدوابّ للهوام الآدمي معنى العقل أكثر ممّا يكشفه الآدمي عنها.
