بقلم
د. أسما الصيفي
قد يكن بين الابتلاء والاصطفاء خطأ يقع فيه المتألم ... إذاً أين نقف منه ؟
قد يحدث عندما نظن أن كثرة أوجاعنا دليلٌ على مكانتنا عند الله ... فحين تتأخر أمنيةٌ طال انتظارها ... وحين تتكرر الخسارات في طريقك ... وحين ترى أبوابًا تُغلق الواحد تلو الآخر ... قد يجلس قلبك في ليلةٍ طويلة ويسأل : يارب ... لماذا أنا ؟ ، فمن هنا يحتاج الإنسان إلى شيءٍ من البصيرة ، وذلك لأن الابتلاء سنةٌ ماضية في هذه الحياة ، يمر بها المؤمن وغير المؤمن ، والصالح والمقصر .
أما الاصطفاء فليس كلمةً تُقال لكل ألم ، ولا وسامًا يُعلَّق على كل معاناة ... ولو كان الألم وحده دليل على الاصطفاء ، لكان كل متألمٍ مصطفى ... ولكن القرآن يعلّمنا أن الأمر أعمق من ذلك ... فيوسف عليه السلام عرف البئر والسجن قبل أن يعرف التمكين ... وأيوب عليه السلام عرف الصبر الطويل قبل أن يعرف انكشاف الضر ... وإبراهيم عليه السلام عرف النار قبل أن يصبح إمامًا للناس ... وكان أشد الناس بلاءً محمد ﷺ ، وهو أحب الخلق إلى الله ... فلذلك لا تقِس مكانتك عند الله بحجم ما تتألم ... بل انظر ماذا يفعل الألم بقلبك ... فهل يردك إلى الله إذا ابتعدت ؟ وهل يوقظ الدعاء فيك إذا غفلت ؟
وهل يكسر غرورك ويزيد افتقارك إلى ربك ؟ وهل يجعلك أكثر رحمةً بالناس وأقل قسوةً عليهم ؟
فهنا يكمن السر ... فقد لا يكون البلاء علامة رضا أو غضب في ذاته ، ولكن طريقة تعاملك معه قد تكون طريقًا إلى رضا الله ... وربما لم يُصطفك الله لأنك الأقوى ... بل لأن الله يريد أن يصنع منك قلبًا أقوى .
وربما لم يُؤخِّر عنك بعض ما تحب حرمانًا ... بل لأن حكمته ترى ما لا تراه عيناك ... وربما كانت بعض الأبواب التي أُغلقت في وجهك رحمةً خفيّة ، لا تدركها إلا بعد سنوات .
ولهذا لا تُرهق قلبك بمحاولة اكتشاف : هل أنا مُصطفى أم مُبتلى ؟ فهذا علمه عند الله .
لكن اسأل نفسك : هل هذا البلاء يقرّبني من الله أم يبعدني عنه ؟ فإن وجدت نفسك رغم التعب ما زلت تطرق بابه ... ورغم الدموع ما زلت تُحسن الظن به ...
ورغم طول الطريق ما زلت تنتظر فرجه ... فاعلم أن في قلبك نعمةً قد تكون أعظم من كثيرٍ من النعم التي تطلبها ... فليس أعظم الاصطفاء أن تُعطى كل ما تريد ...
بل أن يحفظ الله قلبك له ، مهما اشتدت عليك الحياة ... لقوله تعالى ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ .
فاللهم إن كانت ابتلاءاتنا تربيةً منك فأحسن تربيتنا ، وإن كانت تكفيرًا فاغفر لنا ، وإن كانت رفعةً فثبّتنا ، واجعل قلوبنا معلقةً بك ، راضيةً عنك ، مُحسنة الظن بك في السراء والضراء ... وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
