بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
ماذا يحدث حين يؤجِّر الفنان موهبته لمن يدفع أكثر؟
وحين تُجمِّل العدسةُ وجهَ الجلاد، وتُحوِّل الضحية إلى متهم؟
إنها رحلةٌ فلسفيةٌ ونفسيةٌ تكشف كيف يمكن للصورة أن تصنع وعيًا... أو تسرق الحقيقة.
مقالٌ يهزُّ القناعات، ويضع الفنَّ أمام مرآة مسؤوليته.
اقرأ... ثم احكم بنفسك:
هل ما زال الفن رسالة؟
أم أصبح... للإيجار؟
جميلٌ أن يرتدي القاضي ثوبَ الشعور... لكن الأجمل أن يبقى تحت ذلك الثوب ضميرٌ لا تُغريه الموسيقى، ولا تُضلِّله الكاميرا.
فجدران محكمتنا اليوم، لم تُبنَ من حجر، بل من صور. وعلى يمين منصة العدالة جلست العدسة، وعلى يسارها جلست الألحان، أما الحقيقة... فكانت تقف وحدها، لا تحمل إلا وجهها.
نادى الحاجب: "لتبدأ المحاكمة."
سألتُ المرآة:
من المتهم؟
قالت:
ليس شخصًا... بل الوجدان حين يستقيل من التفكير.
بدأ العرض.
لم تكن الكاميرا تلتقط الواقع كما هو، بل كما تريد له أن يُرى. كانت تعرف متى تقترب من دمعة، ومتى تغرق سؤالًا في الظل، ومتى تمنح وجهًا ضوءًا يكفي ليبدو قديسًا، وتحرم وجهًا آخر من لحظةٍ ربما كانت كفيلة بتغيير الحكم كله.
همست المرآة:
الفن العظيم لا يكذب دائمًا... لكنه يعرف أين يضع الضوء... وأين يترك الظل.
A beam of light, a mournful tone,
May crown a heart not truly known.
تقدمت الحقيقة خطوة وقالت:
"لا أطلب منكم أن تصدِّقوني... أطلب فقط أن تؤجلوا التصفيق حتى أتكلم."
لكن الموسيقى سبقتها، فبكى الجمهور.
ولم يكن بكاؤه كذبًا؛ فالمشاعر صادقة، غير أن صدق الشعور لا يكفي ليكون الحكم عادلًا، فالدموع دليل تأثر... وليست دائمًا دليل بصيرة.
The tears are true, the hearts are kind,
Yet tears alone may veil the mind.
قالت المرآة:
الفن أمانة.
قد توقظ روايةٌ ضميرَ أمة، وقد تُسقط قصيدةٌ جدارَ خوف، وقد يدفع فيلمٌ مجتمعًا إلى مراجعة نفسه وإنصاف مظلوميه. لكن الفن، إذا انفصل عن ضميره، أصبح أخطر من السلاح؛ فالسلاح يقتل إنسانًا، أما الفن المنزوع الضمير فيقتل المعيار، فيجعل الباطل مألوفًا حتى يُصفَّق له، ويجعل الحق غريبًا حتى يعتذر عن نفسه.
The lens can paint the wrong as right,
And steal the day from truth's clear light.
سألتُ المرآة:
وهل المشكلة في الفن؟
ابتسمت وقالت:
"المشكلة ليست في الريشة... بل في اليد التي تحملها، وليست في الكاميرا... بل في العين التي توجهها، وليست في القصيدة... بل في الضمير الذي يكتبها."
ثم ناولتني ورقةً بيضاء وقالت:
"قبل أن تكتب الحكاية... اسأل نفسك: هل تُنير الطريق... أم تُجمِّل الظلام؟"
Seek first the truth beneath the art,
Then let compassion guide the heart.
ثم التفتُّ إلى آخر القاعة.
رأيت أبًا أفناه العمر وهو يبني بيته، وأمًّا دفنت أبناءها مرتين؛ مرةً حين غابوا، ومرةً حين جعلهم السرد هم الجناة. ورأيت وفيًّا لم تمنحه الكاميرا إلا ثواني، فخرج من ذاكرة الجمهور قبل أن يخرج من قلب الحياة، وامرأةً حملت سنوات الصبر فلم تجد من يروي بطولتها الصامتة.
هناك فهمت أن أخطر أنواع الظلم ليس أن يُسرق منك حقك... بل أن يُسرق منك حقك في أن تُفهَم.
كم من بريءٍ انتظر لقطةً لم تُصوَّر، وكم من مظلومٍ لم يهزمه خصومه، بل هزمه السرد.
ليست المأساة أن ينتصر الكذب، فقد ينتصر زمنًا، وإنما المأساة أن يصبح أجمل من الحقيقة، وأن تتزين الخيانة بالموسيقى، ويرتدي الظلم ثوب الإنسانية، ويغادر الوفاء القاعة متهمًا، بينما يخرج الخداع محمولًا على أكتاف التصفيق.
وهنا همست المرآة مرةً أخيرة:
"الفن لا يصنع الأبطال... بل يصنع صورتهم. وقد يغيِّر صورة إنسان... فيغيِّر حكم أمة."
عندها أدركت أن الأمم لا تحتاج دائمًا إلى جلاد، ولا في كل مرة إلى محتل؛ فقد يكفيها مخرجٌ بلا ضمير، وفنانٌ باع رسالته، وكاتبٌ استبدل الحقيقة بالإثارة، وشاعرٌ جعل القافية أهم من الضمير.
حينها لا تُحتل الحدود... بل تُحتل العقول، ولا تُهدم المدن... بل تُهدم الموازين.
ولذلك فإن أعظم الفنانين ليس من أبكى الملايين، بل من أنصف إنسانًا لم يعرفه، وليس من صنع بطلًا على الشاشة، بل من أعاد إلى مظلوم حقَّه في أن يُسمَع.
رفعتُ رأسي إلى المرآة.
لم أرَ وجهي.
رأيتُ وجه كل قارئ يحمل هذا المقال.
قد يوافقني... وقد يختلف معي... لكنني أرجوه ألا يمنح قلبه لأول دمعة، ولا حكمه لأول مشهد، فقد يكون خارج الكادر إنسانٌ يستحق أن يُسمَع قبل أن يُدان.
Seek first the truth beneath the art,
Then let compassion guide the heart.
وأنا لا أخاف على الأمم من فقر المال، فالمال يُكتسب، ولا من قلة السلاح، فالسلاح يُصنع، لكنني أخاف عليها يوم يصبح الفن سلعة، ويصبح الضمير قابلاً للإيجار.
فالأمة التي تؤجر ضميرها... لن تجد وطنًا تحفظ به كرامتها.
ولذلك لن أختم بإجابة، بل بسؤالٍ أرج
و أن يبقى طويلًا في ضمير كل قارئ:
إذا كان الفن قادرًا على أن يصنع ضمير أمة... فمن يحرس ضمير الفن؟
