JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

حين يغادر من كان يسكن القلب...

 


بقلم. الكاتب الصحفى أسامة حسان


ما حدث بعد رحيلكِ لم يكن مجرد فراق، بل تحوّلٌ كامل في ملامح حياتي، وكأن الزمن منذ تلك اللحظة فقد قدرته على أن يمنحني إحساسًا يشبه ما عرفته يومًا.


منذ أن ابتعدتِ لم يعد للصباح بريقه، ولا للمساء سكينته...


تشرق الشمس كما اعتادت، لكنها تعجز عن بث الدفء في روحي، ويهبط الليل مثقلًا بالصمت، كأنه وجد في وحدتي وطنًا لا يغادره.


كل ما كان يبعث في نفسي الأنس أصبح بلا روح. الطرقات التي شهدت خطواتنا صارت غريبة عني.


والوجوه التي أعبر بينها كل يوم تبدو متشابهة، كأن الحياة سحبت منها قدرتها على إدهاشي، وتركتها مجرد ظلالٍ تعبر أمام عيني.


لم تكوني بالنسبة إليّ إنسانةً عابرة، بل كنتِ الركن الذي استندت إليه روحي كلما أثقلتها الحياة.


معكِ كانت الأشياء البسيطة تكتسب معنى، وكانت الأيام، مهما اشتدت قسوتها، تنتهي دائمًا بشيء من الطمأنينة.


أما الذكريات...


فلم تعد ملاذًا كما كانت، بل غدت أبوابًا تُفتح على حنينٍ لا يهدأ. كلما طرقتُ بابًا منها.


خرجت إليّ تفاصيلكِ كما لو أنها حدثت بالأمس، تحمل في ملامحها دفئًا افتقدته، وفي نهايتها وجعًا لا يكف عن الاتساع.


عندها فقط أدركت أن الإنسان قد يبدو قويًا، لكنه يجهل مقدار ضعفه حتى يفقد من كانت تمنحه التوازن دون أن يشعر.


فهناك أرواح لا تملأ حياتنا بالضجيج، بل تمنحها المعنى، فإذا غابت، انطفأ شيء في الداخل لا تُعيده الأيام.


وتعلمت متأخرًا...


أن بعض الراحلات لا يأخذن معهن حضورهن فحسب، بل يحملن أجزاءً من أرواحنا، ويتركن في أماكنها فراغًا لا يراه أحد، لكنه يرهق القلب في كل نبضة.


لقد رحلتِ... ولم تتركي خلفكِ غيابًا فقط، بل تركتِ أسئلةً بلا إجابة، واشتياقًا يتجدد كلما ظننت أنني اقتربت من التعافي.


وكلما أقنعت نفسي بأن الزمن كفيل بتخفيف الألم، اكتشفت أن الزمن لا يمحو الفقد، بل يعلّمنا كيف نُخفيه خلف ابتسامةٍ هادئة.


وها أنا أعيش بما تبقى مني، أجمع شتات روحي كل صباح، وأواصل السير بقلبٍ تعلّم أن يحمل أوجاعه بصمت.


فقد أدركت أن بعض الفقد لا يُنهي الإنسان في لحظة، بل يجعله يعبر العمر وهو يرمم ما تهدّم في داخله، ويبحث عن نورٍ صغير يحول بينه وبين السقوط الكامل.


لقد علّمتني الحياة بعدكِ...


أن الفقد ليس خاتمة الحكايات، بل بداية رحلةٍ شاقة مع الذاكرة؛ رحلةٌ لا ينتصر فيها من ينسى.


وإنما من ينجح في التعايش مع جراحه، دون أن يسمح لها بأن تطفئ آخر ما بقي في قلبه من أمل.

NameEmailMessage