كتب: وائل عباس
لم يعد المتابع لما يدور حوله يحتاج إلى كثير من التأمل ليدرك أن مجتمعاتنا تمر بمرحلة شديدة القسوة ، تتزاحم فيها الأزمات الأخلاقية والاجتماعية ، حتى بات الإنسان يشعر وكأنه يعيش وسط صراع لا يرحم ، يتغلب فيه القوي على الضعيف ، ويُؤكل فيه الحق إن غابت العدالة والضمير .
لقد وصف النبي ﷺ زمناً تكثر فيه الفتن ، فقال : «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم». وفي حديث آخر قال : «سيأتي على الناس سنوات خداعات ، يُصدَّق فيها الكاذب ، ويُكذَّب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ، ويخوَّن فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة».
ومن المؤلم أن نرى صوراً متعددة لانهيار منظومة القيم ؛ فضعف احترام الوالدين وتفكك الأسرة وانتشار الجرائم ، ووقائع النصب والاحتيال ، وتزايد الضغوط الاقتصادية ، وما يصاحبها من حالات يأس أو انتحار ، كلها ظواهر تستدعي وقفة جادة من المجتمع بأسره .
كما أن بعض المحتويات الإعلامية والدرامية قد تسهم في تطبيع العنف أو السلوكيات المنحرفة إذا غابت عنها المسؤولية المهنية والرسالة الهادفة .
وقد حذر القرآن الكريم من الفساد في الأرض ، فقال تعالى :
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾[الأعراف: 56]
وقال سبحانه :
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[الروم: 41]
ولعل من أخطر ما يهدد أي مجتمع أن يصبح الكذب عادة ، والنفاق وسيلة للنجاح ، وأن تضيع الأمانة ، وتُنسى الرحمة ، ويُحتقر الصادق ، ويُرفع شأن المنافق .
وقد قال رسول الله ﷺ: «آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان».
كما أن العقوق وتفكك الأسرة من علامات الخلل الأخلاقي ، وقد أمر الله بالإحسان إلى الوالدين فقال :
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾[الإسراء: 23]
وليس المقصود من رصد هذه الظواهر نشر اليأس أو تعميم الأحكام على المجتمع كله ، فما زال بين الناس خير كثير ، وما زالت هناك أسر صالحة ، وشباب مستقيم ، وعلماء مخلصون ، وأصحاب ضمائر حية. ولكن التحذير من الخطر واجب قبل أن يستفحل والمعالجة المبكرة أقدر على الإصلاح من الإنتظار حتى تتفاقم الأزمات .
ولكن كيف يكون العلاج ... ؟؟؟
العلاج لا يكون بالشعارات ، وإنما بخطة متكاملة تبدأ من الفرد وتنتهي بالدولة :
أولاً :
العودة الصادقة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فالإيمان الحق يزكي النفوس ويقوم السلوك .
ثانياً :
إعادة بناء الأسرة على أساس المودة والرحمة ، وغرس احترام الوالدين ، وتحمل المسؤولية ، وحسن التربية .
ثالثاً :
تطوير التعليم ليكون بناءً للأخلاق قبل أن يكون تحصيلاً للمعلومات .
رابعاً :
تقديم إعلام ودراما يرسخان القيم الإيجابية ، ويبتعدان عن تمجيد الجريمة والعنف والانحراف .
خامساً :
تمكين المؤسسات الدينية والعلمية من نشر العلم الصحيح والوعي ، بعيداً عن الإثارة والفتاوى غير المنضبطة .
سادساً :
دعم الفئات الأكثر احتياجاً ، وتوفير فرص العمل ، والتخفيف من الضغوط الاقتصادية والنفسية التي قد تدفع بعض الناس إلى اليأس .
سابعاً :
تطبيق القانون بعدل وحزم على كل من يعتدي على حقوق الآخرين أو ينشر الفساد .
ويظل وعد الله قائماً لكل مجتمع يتمسك بالإصلاح ، قال تعالى
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[الرعد: 11]
إن إنقاذ المجتمع مسؤولية مشتركة ، تبدأ من ضمير الإنسان ، ومن تربية الأبناء ، ومن الكلمة الصادقة ، ومن القدوة الحسنة. فالأمم لا تنهض بالمال وحده ، وإنما تنهض بالأخلاق ، وإذا ضاعت الأخلاق ضاع معها الأمن والاستقرار ، مهما بلغت قوة الحضارة أو التقدم المادي .
نسأل الله أن يحفظ أوطاننا ، ويصلح أحوالنا ، ويؤلف بين القلوب ، وأن يرزقنا الصدق والأمانة والرحمة ، وأن يجعل مجتمعاتنا قائمة على العدل والخلق الكريم .
