JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

هرمز تحت السيادة الإيرانية.. ترامب يدفع ثمن الحسابات الخاطئة وإيران تعيد كتابة قواعد القرن




كتب / ماهر بدر

في اللحظة التي راهن فيها البيت الأبيض على أن مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد ستمثل نهاية مأساة حرب الأربعين يوماً، كانت طهران تقرأ المشهد من زاوية مختلفة تماماً. لم تكن إيران تبحث عن هدنة، بل كانت تشتري وقتها الثمين لتخزين القوت، وبيع النفط، وتعزيز مراكزها العسكرية، وإعادة هندسة توازنات مضيق هرمز الذي ظل لعقود عصياً على أي إرادة خارجية. اليوم، وبعد واحد وعشرين يوماً من التوقيع، يكتشف ترامب أنه لم يفتح المضيق كما وعد، ولم يفك الحصار، بل وجد نفسه وجيشه أمام معادلة جديدة تفرضها إيران من موقع المنتصر.


ما حدث في الأيام الماضية في بندرعباس وقشم وبوشهر وتشابهار لم يكن مجرد رد عسكري على هجمات أمريكية، بل كان إعلاناً عن مرحلة جديدة من المواجهة، مرحلة تتجاوز فيها إيران منطق الدفاع إلى منطق فرض الإرادة. فالهجمات الأمريكية التي وصفت بأنها "واسعة" لم تكن سوى فقاعة إعلامية، إذ فشلت في التأثير على قدرة إيران على الإشراف على المضيق والتصدي للسفن المخالفة، بل على العكس، ازدادت القوة الإيرانية رسوخاً، وامتدت ضرباتها إلى أكثر من ٨٥ هدفاً في عمق المنطقة، مخترقة كل منظومات الدفاع الصاروخي والمسيّر التي أنفق عليها البنتاغون المليارات.


المفارقة الأكثر إيلاماً لترامب أن جنرالاته كانوا قد أدركوا منذ حرب الأربعين يوماً أن فتح هرمز عسكرياً مستحيل، وأن أي محاولة لإنشاء "ممر جنوبي" أو "ممر عماني" هي أشبه بالانتحار العملياتي. لكن الرئيس الأمريكي، الذي راهن على وعود إسرائيلية خاطئة وضعف وهمي في الصمود الإيراني، أصر على تجربة كل السيناريوهات الفاشلة: احتلال الجزر، الإنزال البري، المظلة الجوية، وضرب البنى التحتية الساحلية. ولم يزد كل ذلك إلا رسوخاً للقاعدة الذهبية الجديدة التي تفرضها إيران: المضيق ليس ممراً مائياً، بل خط أحمر إيراني.


إيران لم تكتفِ بإفشال مشاريع العدو، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، حين غيرت بنك أهدافها ليشمل البنى التحتية في الكويت والبحرين، حيث تتركز قيادات القيادة المركزية الأمريكية وأحدث أنظمتها الدفاعية. الكويت أعلنت رسمياً انقطاع الكهرباء في مناطق واسعة، وهذه ليست ضربة عابرة، بل رسالة بأن الحرب القادمة ستكون حرب بنى تحتية، وأن إيران تمتلك القدرة على شل مراكز القوة التي يعتمد عليها العدو. الأهم من ذلك، أن إيران كشفت، ولأول مرة، عن أسلحة جديدة لم تُستخدم من قبل، محذرة البحرية الأمريكية من أن محاولة فرض حصار بحري مجدداً ستقابلها ضربات مباشرة على وحداتها، وهو ما "تذوقه" العدو فعلاً في عمليات الليلة الماضية.


هذا التصعيد لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لإصرار إيران على استعادة سيادتها الكاملة على المضيق، وهو الأمر الذي بدأ يجد قبولاً واقعياً حتى من دول الخليج الجنوبي وعُمان وأوروبا، التي أدركت أن التعامل مع إيران المنتصرة أصبح ضرورة لا مفر منها. ترامب وحده، المرهون بوعود انتخابية وهزائم سياسية داخلية، ما زال يتصور أن الضغط العسكري قد يعيد له ما خسره. لكن إيران تملك اليوم أوراقاً سياسية هائلة، فهي تتحكم في إيقاع التصعيد، وتؤثر في الانتخابات الأمريكية والصراعات الداخلية في الكيان الصهيوني، وتدرك أن نتنياهو وترامب يعيشان أعمق أزماتهما السياسية، وأن أي خطوة مغامرة قد تكون نهايتهما.


الحرب القادمة لم تعد احتمالاً، بل حتمية يقرأها الجميع. إيران تستعد لها من موقع الندية، لا من موقع الضعف. لديها تقنيات تغيير قواعد اللعبة، وتسيطر على توقيت المعركة، وتعزز صمودها الداخلي، وتدرك أن المجتمع المتردد لا ينتصر. العدو يبحث عن ثغرة، وعن وصول متزامن للأهداف، وعن فوضى داخلية، لكن إيران أغلقت كل تلك النوافذ، وأفشلت كل مشاريع الفتنة، من لبنان إلى العراق إلى اليمن.


في الخلاصة، ما يجري هذه الأيام في هرمز وخارجه هو أكثر من مجرد اشتباك عسكري؛ إنه إعادة تعريف لقواعد اللعبة في الشرق الأوسط. إيران ليست بصدد الدفاع عن ممر مائي، بل بصدد كتابة فصل جديد من تاريخ المنطقة، فصل تنتقل فيه السيادة من قواعد القوة الخارجية إلى إرادة دولة قررت أن تدفع الثمن كاملاً، لا لأنها تبحث عن حرب، بل لأنها تدرك أن السلام الحقيقي لا يبنى إلا على ردع حقيقي، وأن مضيق هرمز، بكل ما يحمله من تاريخ واقتصاد وسياسة، أصبح تحت سقف القرار الإيراني وحده. أما ترامب، فعليه أن يختار بين قبول هذه الحقيقة أو مواجهة المزيد من الإذلال الذي يتزايد مع كل صاروخ إيراني لا يُعترض.

NomE-mailMessage