JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

معركة الزاب ! اليوم الذي سقطت فيه الدولة الأموية سلسلة التاريخ من وراء الستار

 ليست كل المعارك تُخلِّدها كثرة القتلى، ولا اتساع ساحات القتال.

فبعض المعارك يخلدها التاريخ لأنها لا تُسقط جيشًا فحسب، بل تُسقط دولة، وتُغلق صفحة امتدت عشرات السنين، وتفتح صفحة أخرى ستغيّر وجه العالم.

وهناك، على ضفاف نهر صغير في شمال العراق، وقف آلاف المقاتلين دون أن يدركوا أنهم يقفون على موعد مع واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في التاريخ الإسلامي.

فما سيُحسم في ذلك اليوم لن يكون مصير جيشين.

بل مصير إمبراطورية حكمت العالم الإسلامي قرابة تسعين عامًا.

معركة الزاب !

اليوم الذي سقطت فيه الدولة الأموية

سلسلة التاريخ من وراء الستار

بقلم / محمد مصطفى كامل

في مطلع سنة 132 للهجرة، كانت الدولة الأموية تخوض آخر معاركها الكبرى.

فالثورة التي خرجت من خراسان لم تعد حركة احتجاج، ولا تمردًا يمكن إخماده كما حدث في مرات سابقة، بل تحولت إلى مشروع سياسي وعسكري يزداد قوة مع كل يوم، بينما كانت الدولة الأموية تزداد إنهاكًا بفعل صراعاتها الداخلية واتساع رقعة الاضطرابات في ولاياتها.

في دمشق، أدرك الخليفة مروان بن محمد أن ساعة الحسم قد اقتربت.

كان آخر خلفاء بني أمية قائدًا عسكريًا شجاعًا، خاض معارك كثيرة، لكنه ورث دولة أنهكتها الانقسامات، واستنزفتها الثورات، فلم يعد أمامه سوى أن يجمع ما بقي من قواته ليواجه الثورة مواجهة مباشرة.

وفي المقابل، لم يكن العباسيون يعتمدون على قائد واحد.

فقد وزعوا أدوارهم بدقة، وكان نجاحهم ثمرة عمل جماعي استمر سنوات طويلة.

ففي الوقت الذي تولى فيه عبد الله بن علي قيادة الجيش العباسي المتجه لملاقاة مروان بن محمد، ظل أبو مسلم الخراساني في خراسان يدير الثورة بعقلية رجل دولة، يثبت الولايات التي دخلت تحت النفوذ العباسي، ويؤمن طرق الإمداد، ويرسل الرجال والسلاح والمؤن، ويمنع أي محاولة أمويّة لاستعادة المشرق.

لقد كان عبد الله بن علي قائد المعركة.

أما أبو مسلم الخراساني، فكان العقل السياسي والعسكري الذي حافظ على تماسك الثورة، وضَمِن استمرار تدفق قوتها نحو الغرب. ولولا نجاحه في إدارة خراسان وتأمين ظهر الجيش العباسي، لما استطاعت الحملة أن تتقدم بهذه الثقة نحو العراق.

وهكذا، التقى المشروعان عند نهر الزاب الكبير.

جيش أموي يحمل إرث دولة حكمت العالم الإسلامي عقودًا طويلة.

وجيش عباسي يحمل حلم إقامة دولة جديدة.

اصطف عشرات الآلاف من المقاتلين، وكل طرف يعلم أن الهزيمة لن تعني خسارة معركة فحسب، بل نهاية مشروع كامل.

امتلك الأمويون خبرة عسكرية كبيرة، لكنهم دخلوا المعركة مثقلين بسنوات من الصراعات الداخلية والانقسامات القبلية واستنزاف الموارد.

أما العباسيون، فقد دخلوا الزاب بروح المنتصر، بعد سلسلة من النجاحات التي رفعت معنويات جنودهم ورسخت ثقتهم بقيادتهم.

ومع اشتداد القتال، بدأت الكفة تميل شيئًا فشيئًا إلى العباسيين.

ولم يكن ذلك لأن الأمويين فقدوا شجاعتهم، بل لأن الدولة نفسها كانت قد استنفدت كثيرًا من أسباب قوتها.

فالجيش الذي كان يفتح البلدان أصبح يقاتل للدفاع عن عاصمته.

والدولة التي كانت تملي شروطها على خصومها أصبحت تحاول الحفاظ على بقائها.

وحين اضطربت صفوف الجيش الأموي، تحولت المعركة إلى هزيمة حاسمة.

انسحب مروان بن محمد من أرض المعركة، وبدأ رحلة طويلة من العراق إلى بلاد الشام، ثم إلى فلسطين، ومنها إلى مصر، محاولًا إعادة تجميع ما تبقى من قواته.

لكن الزمن لم يكن يعمل لصالحه.

ففي تلك اللحظة، لم يكن الذي ينهار جيشًا فقط.

بل كانت إمبراطورية كاملة تطوي آخر صفحاتها.

دخل العباسيون دمشق، وسقطت الدولة الأموية في المشرق، وانتقل مركز العالم الإسلامي من دمشق إلى العراق، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الحضارة الإسلامية.

غير أن التاريخ كان يخبئ مفارقة لا تقل إثارة.

فالرجل الذي كان يدير الثورة من خراسان، وأسهم أكثر من غيره في صناعة هذا الانتصار، سيصبح بعد سنوات قليلة مصدر خوف للخلفاء العباسيين أنفسهم.

أما أحد أمراء بني أمية، فقد استطاع الإفلات من المطاردة، ليعبر الصحارى والبحار، ويؤسس في أقصى الغرب دولة أموية جديدة ستجعل من قرطبة واحدة من أعظم عواصم العالم.

لقد انتهت الدولة الأموية في المشرق.

لكن قصة بني أمية لم تنتهِ بعد.

كما أن قصة أبي مسلم الخراساني لم تكن قد بلغت نهايتها.

فبعض الرجال يصنعون الدول.

ثم تدفعهم الدول نفسها ثمنًا لانتصاراتهم.



NameEmailMessage