JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

العربية : أمة تنعى لسانها وهي تظن أنها تحتفل بالحضارة

 .


بقلم : معز ماني . تونس .


ليست المأساة أن تهزم أمة في معركة، فالهزائم عوارض التاريخ، وإنما المأساة أن تهزم في لسانها، لأن اللسان إذا انكسر، انكسرت وراءه الروح، وإذا ماتت اللغة، لم يبق للوطن إلا جغرافيا باردة، ترسم حدودها بالحبر، لا بالهوية.


لقد بلغ العرب منزلة من الغرابة لم يبلغها شعب قبلهم، فهم الأمة الوحيدة التي تستحي من لغتها في حياتها اليومية، ثم تتغنى بها في الخطب والاحتفالات. يرفعون العربية إلى مقام القداسة في الشعارات، ثم ينزلونها إلى قاع الإهمال في الواقع، حتى غدت الفصحى كالأم التي يكتب الأبناء اسمها في الوثائق الرسمية، ثم يتركونها وحيدة في دار العجزة.


لغة كانت تعلّم الدنيا كيف تفكّر، أصبحت اليوم تبحث عمّن يفهم أبسط تراكيبها بين أهلها. وإذا قرأ أحدهم فقرة من كتاب عربي رصين، ارتسمت على وجهه ملامح مكتشف يقف أمام نقوش هيروغليفية، لا أمام لغة أجداده. فإن سألته عن معنى كلمة فصيحة، أجابك بثقة الجاهل الواثق: "هذه لغة قديمة" وكأن الزمن يبطل اللغات كما يبطل صلاحية الأطعمة.


لقد تحولت العربية، في أوطانها، من لغة حياة إلى قطعة متحفية، تزار في المناسبات، وتغلق عليها الخزائن بعد انتهاء الاحتفال. فإذا جاء يوم اللغة العربية، امتلأت المنابر بالمواعظ، وتدفقت الخطب كالسيل، حتى إذا انفض الجمع، عاد الجميع إلى لهجات ممزقة، وكأن العربية كانت ضيف شرف ثقيلا ينبغي التخلص منه قبل أن يطول مقامه.


وليس أشد إيلاما من أن ترى بعض المثقفين، ممن يحملون الألقاب الأكاديمية الطويلة، يقفون أمام نص عربي كما يقف طفل أمام معادلة فيزياء نووية. يقرأون الألفاظ صحيحة، لكن المعاني تمر عليهم كما تمر الرياح على الصخور، لا تحرّك فيهم فهما، ولا توقظ فيهم إدراكا. أما بعض رجال الدين، فتلك قصة أخرى، يحفظون النصوص، ويجيدون تلاوتها، لكنهم في أحيان غير قليلة  يعجزون عن النفاذ إلى دقائق البيان العربي الذي قامت عليه تلك النصوص. وهكذا أصبح الحفظ سلطانا، والفهم يتيما يبحث عمّن يكفله.


ثم انظر إلى هذه المسرحية العبثية التي تعرض كل يوم بلا انقطاع. شابّ عربي لا يستطيع أن يكتب صفحة سليمة بلغته، لكنه يخوض معارك إلكترونية شرسة دفاعا عن الهوية! وأستاذ جامعة يخلط بين العامية والفصحى في محاضرته، ثم يحدث طلابه عن النهضة الفكرية، وإعلامي يذبح العربية على الهواء مباشرة، ثم يبتسم للكاميرا باعتباره "صانع رأي". أما الجمهور، فقد اعتاد هذا المشهد حتى صار اللحن فصاحة، والركاكة أسلوبا، والخطأ قاعدة، والصواب استثناء يحتاج إلى تبرير.


لقد أقنع الناس بأن اللهجات هي عنوان البساطة، وأن الفصحى عنوان التعقيد، مع أن الحقيقة معكوسة تماما. فما الفصحى إلا النظام، وما اللهجات إلا الفروع. ولا تقوم شجرة إذا أعلنت الأغصان استقلالها عن الجذع. إن اللهجة ابنة اللغة، فإذا قتلت أمها، انتحرت معها، وإن تأخر موتها قليلا.


ولقد بلغ بنا الإعجاب بكل وافد مبلغا مضحكا، فصرنا نستورد الكلمات كما نستورد السلع، ونحسب أن نطق المفردة الأجنبية يمنح المتكلم شهادة في الحضارة. يرصّ أحدهم خمس كلمات أجنبية في جملة واحدة، ثم ينظر إلى من يتحدث بالفصحى نظرة الطبيب إلى مريض يعاني حالة نادرة، ولو فتشت في محصوله الفكري، لوجدت الضجيج أكثر من المعنى، والزينة أكثر من الجوهر، والطلاء أكثر من البناء.


وما الحضارة في حقيقتها إلا لغة قادرة على حمل العلم، وأمة تؤمن بأن التفكير يبدأ من الألفاظ. فالفكرة لا تولد في الفراغ، وإنما تولد في رحم اللغة. وكلما ضاقت اللغة في عقل صاحبها، ضاق العقل عن إدراك المعاني. ولذلك لم يكن عجيبا أن تكون الأمم الكبرى أشد الأمم عناية بلغاتها، لأنها تعلم أن السيادة تبدأ من القاموس قبل أن تبدأ من المصانع.


إن اللغة ليست قاموسا من الكلمات، بل هي دستور العقل، ونظام الوعي، ومستودع الذاكرة، وسجل التجربة الإنسانية. ومن يفرط في لغته، كمن يحرق أرشيفه بيده، ثم يقف يبكي ضياع تاريخه.


ها العرب، ليست العربية هي التي شاخت،بل الذي شاخ هو الإيمان بها. وليست هي التي عجزت عن مسايرة العصر؛ بل نحن الذين عجزنا عن مسايرتها. فاللغة التي حملت القرآن، واستوعبت فلسفة اليونان، وصاغت علوم الطب والكيمياء والفلك والرياضيات، لا تضيق اليوم عن احتضان الذكاء الاصطناعي، ولا تعجز عن استيعاب علوم الفضاء. وإنما العجز في العقول التي هجرتها، ثم اتهمتها بالتقصير.


وما أخطر أن تصبح الأمة غريبة عن لسانها، لأن الغريب لا يصنع تاريخا، بل يستهلك تاريخ غيره. والذي لا يفهم لغة كتبه، لن يفهم تاريخه، والذي لا يفهم تاريخه، لن يحسن قراءة حاضره، والذي يعجز عن قراءة حاضره، لن يكتب مستقبله.


إن الأمم لا تموت حين يحتل العدو أرضها، وإنما تموت حين يحتل لغتها. فالاحتلال العسكري قد يرحل بعد سنوات، أما احتلال اللسان، فيورث أجيالا تتكلم بأفواهها، وتفكر بعقول غيرها، وتحلم بأحلام ليست لها.


ولذلك، فإن القضية ليست قضية نحو وصرف، ولا معركة بين الفصحى والعامية، وإنما هي معركة بين أمة تريد أن تبقى أمة، وأمة رضيت أن تتحول إلى سوق استهلاكية للأفكار واللغات والهويات. ومن يفرط في لسانه، فقد وقّع وهو يبتسم شهادة تنازله عن مستقبله.


إن العربية اليوم لا تبكي لأنها مهجورة، بل لأنها ترى أبناءها يشيحون عنها بأعينهم، ثم يصرخون، لماذا تأخرنا؟ وهي تعلم الجواب، لكنه جواب مرّ لا يريد أحد أن يسمعه، لأن الأمة التي تفقد لغتها، لا تفقد وسيلة الكلام فحسب، بل تفقد طريقة التفكير، وإذا ضاع التفكير، ضاع كل شيء.

NameE-MailNachricht