JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

كيف مهدت القوة الطريق إلى عصر الإصلاح؟ سلسلة التاريخ من وراء الستار

 


ليست أعظم لحظات الأمم تلك التي تتسع فيها حدودها فحسب، بل تلك التي تكتشف فيها أن اتساع الأرض ليس نهاية الطريق.
فالإمبراطوريات تُولد بالحلم، وتكبر بالقوة، لكنها لا تستمر إلا إذا امتلكت القدرة على مراجعة نفسها.
وما أكثر الدول التي انتصرت في ميادين القتال، ثم هزمتها أزماتها الداخلية حين عجزت عن إدارة ما حققته من انتصارات.
ولهذا، فإن التاريخ لا يقيس عظمة الدول بعدد المدن التي فتحتها، ولا بطول حدودها، بل بقدرتها على تحويل القوة إلى حضارة، والفتح إلى استقرار، والنصر إلى عدل.
وهذا ما يجعل بعض المراحل تبدو للوهلة الأولى هادئة، بينما كانت في الحقيقة من أكثر المراحل تأثيرًا في رسم مستقبل الأمم.
حين بلغت الدولة الأموية ذروة مجدها

بقلم / محمد مصطفى كامل
حين انتهت سنوات الفتنة، واستعاد عبد الملك بن مروان وحدة الدولة، ثم واصل رجاله، وفي مقدمتهم الحجاج بن يوسف الثقفي، تثبيت أركانها وإعادة فرض هيبتها، دخلت الدولة الأموية مرحلة جديدة، اختلفت أهدافها عن كل ما سبقها.
فلم يعد التحدي الأكبر هو البقاء، بعدما تجاوزت الدولة أخطر مراحلها.
ولم يعد السؤال كيف نمنع الانهيار؟
بل أصبح كيف تُدار دولة تمتد على آلاف الكيلومترات، وتضم عشرات الشعوب والثقافات واللغات؟
لقد انتقلت الدولة الإسلامية من مرحلة الدفاع عن وجودها، إلى مرحلة إدارة واحدة من أكبر القوى السياسية في العالم آنذاك.
وكان ذلك التحول يعني أن طبيعة القيادة نفسها بدأت تتغير.
فالقائد الذي تنجح به دولة في زمن الحروب، قد لا يكون هو الرجل الذي تحتاج إليه وهي في زمن البناء.
والسياسات التي تنقذ الدولة من الانقسام، قد لا تكون كافية لبناء مجتمع مستقر لعقود طويلة.
لكن التاريخ منح الدولة الأموية فرصة نادرة.
فبعد أن استعادت وحدتها، وجدت نفسها تمتلك إدارة أكثر تنظيمًا، وجيشًا أكثر انضباطًا، واقتصادًا أكثر استقرارًا، وحدودًا باتت مؤمنة على معظم جبهاتها.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، أصبح بإمكان الدولة أن توجه معظم طاقتها نحو مشروع مختلف.
لم يكن مشروعًا لإخماد الفتن.
بل مشروعًا لصناعة إمبراطورية.
وهكذا، ومع تولي الوليد بن عبد الملك الخلافة، بدأت الدولة الأموية تدخل المرحلة التي سيصفها كثير من المؤرخين بأنها العصر الذهبي الأول لبني أمية.
فقد ورث الوليد دولة قوية، لكن قوته الحقيقية لم تكن فيما ورثه، بل فيما أحسن استثماره.
لم يسع إلى تغيير الأسس التي وضعها عبد الملك، بل أكمل البناء فوقها، واستفاد من الإدارة التي استقرت، ومن الجيش الذي أعيد تنظيمه، ومن الموارد التي أصبحت أكثر انتظامًا، لتبدأ الدولة مرحلة من أعظم مراحل الاتساع والازدهار في تاريخها.
وكان العالم يومها يقف أمام مشهد غير مألوف.
ففي الوقت الذي كانت فيه الإمبراطوريتان البيزنطية والساسانية قد أنهكتهما الحروب الطويلة، كانت الدولة الإسلامية تزداد قوة عامًا بعد عام، وتعيد رسم خريطة العالم القديم بوتيرة لم يشهدها ذلك العصر من قبل.
ولم يكن ذلك مجرد اتساع في رقعة الأرض، بل كان إعلانًا بأن الدولة التي كادت تتفكك قبل سنوات قليلة، أصبحت اليوم إحدى أعظم القوى السياسية والعسكرية والحضارية على وجه الأرض.
غير أن التاريخ كثيرًا ما يخفي خلف لحظات المجد أسئلةً لا تظهر إلا بعد اكتمال الانتصار.
وكانت تلك الأسئلة تنتظر الدولة الأموية في صمت .
ولم تلبث تلك الأسئلة أن وجدت طريقها إلى الواقع.
ففي عهد الوليد بن عبد الملك، لم تعد رايات المسلمين تتحرك لإخماد الثورات الداخلية كما كان الحال في العقود السابقة، بل انطلقت إلى آفاق جديدة، تحمل معها حضارة ناشئة تجاوزت حدود الجزيرة العربية والشام والعراق، لتصبح قوة عالمية تمتد في أكثر من اتجاه.
وفي الشرق، واصل قتيبة بن مسلم الباهلي فتوحه في خراسان وبلاد ما وراء النهر، حتى وصلت رايات المسلمين إلى أطراف الصين، ودخلت شعوب جديدة في دائرة الحضارة الإسلامية، لتبدأ مرحلة من التفاعل العلمي والثقافي والتجاري ستترك أثرها لقرون طويلة.
وفي الجنوب الشرقي، قاد محمد بن القاسم الثقفي حملته إلى بلاد السند، فدخل الإسلام لأول مرة إلى أجزاء واسعة من شبه القارة الهندية، فاتحًا بابًا جديدًا للتواصل بين العالم الإسلامي والهند، وهو باب سيظل مفتوحًا عبر التاريخ.
أما في الغرب، فقد عبر طارق بن زياد البحر إلى الأندلس، ولحق به موسى بن نصير، لتبدأ واحدة من أكثر صفحات التاريخ الإسلامي إشراقًا، حين لم تكن الفتوحات مجرد توسع عسكري، بل بداية لحضارة ستصبح لاحقًا منارة للعلم والفلسفة والطب والهندسة، وتؤثر في مسيرة أوروبا نفسها.
وخلال سنوات قليلة، أصبحت الدولة الأموية تمتد من حدود الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، ومن جبال القوقاز شمالًا إلى أعماق إفريقيا جنوبًا، في مشهد جعلها واحدة من أكبر الدول التي عرفها العالم في ذلك العصر.
لكن الاتساع لم يكن الإنجاز الوحيد.
فحيثما استقرت الدولة، قامت المدن، وانتظمت طرق التجارة، وتأمنت القوافل، وازدهرت الزراعة، وأصبحت العربية لغةً تجمع شعوبًا متعددة، بينما بدأت الثقافة الإسلامية ترسم ملامح هوية حضارية مشتركة، تجاوزت الفوارق العرقية واللغوية.
لقد بلغت الدولة الأموية ذروة قوتها.
وكان ذلك ثمرة مشروع طويل بدأ باستعادة الوحدة، ثم ببناء المؤسسات، ثم بتثبيت الأمن، حتى أصبح بإمكان الدولة أن تتفرغ لصناعة الحضارة.
غير أن التاريخ يحمل دائمًا مفارقة تستحق التأمل.
ففي اللحظة التي تبلغ فيها الدول أقصى اتساعها، تبدأ تحديات جديدة في الظهور، تحديات لا تأتي من خارج الحدود، بل من داخلها.
فكلما اتسعت رقعة الدولة، ازدادت مسؤولياتها، وتعقدت إدارتها، وتنوعت شعوبها، وأصبح تحقيق العدل بين أقاليمها أكثر صعوبة.
ولم تعد القوة العسكرية وحدها كافية للإجابة عن أسئلة المرحلة.
فالدولة التي نجحت في فتح البلدان، أصبحت مطالبة بفتح أبواب العدالة أمام رعاياها.
والإدارة التي نجحت في جمع الأقاليم تحت راية واحدة، أصبحت مطالبة بأن تجعل تلك الراية رمزًا للإنصاف، لا للقوة وحدها.
وهنا بدأ التاريخ يطرح سؤالًا جديدًا، لم يكن يقل أهمية عن سؤال الفتوح والانتصارات .
كيف تحافظ الإمبراطورية على عظمتها بعد أن تبلغ القمة؟
وهل يكفي أن تكون الدولة قوية، أم أن قوتها الحقيقية تكمن في عدلها؟
كانت تلك الأسئلة تمهد لولادة مرحلة مختلفة تمامًا، مرحلة لن يكون بطلها قائدًا عسكريًا، ولا فاتحًا يضيف أرضًا جديدة إلى خريطة الدولة، بل رجلًا سيحاول أن يضيف إلى الدولة شيئًا أشد بقاءً. الثقة بعدلها.
لكن الدول، مهما بلغت من القوة، لا تستطيع أن تعيش على الانتصارات وحدها.
فالحدود يمكن أن تتسع، والجيوش يمكن أن تنتصر، والخزائن يمكن أن تمتلئ، غير أن السؤال الذي يبقى حاضرًا في نهاية كل مشروع عظيم هو ماذا بعد؟
لقد نجحت الدولة الأموية في فرض هيبتها، وأثبتت قدرتها على حماية وحدتها، وبسط نفوذها على مساحات لم تبلغها دولة إسلامية من قبل. غير أن اتساع الدولة كشف عن تحديات جديدة، لم تكن تُحسم في ساحات القتال، بل في مجالس القضاء، ودواوين الإدارة، وعلاقة الحاكم برعيته.
فكلما اتسعت رقعة الدولة، اتسعت معها مسؤولية العدل.
وكلما ازدادت قوة السلطة، ازدادت حاجة الناس إلى من يطمئنهم أن تلك القوة خادمة للحق، لا غاية في ذاتها.
وهنا تتجلى إحدى السنن الكبرى في التاريخ.
فالإمبراطوريات لا يهددها ضعف الجيوش وحده، بل قد يهددها أيضًا شعور الناس بأن العدل لم يعد يسير بالسرعة نفسها التي سارت بها الفتوحات.
ولهذا، لم تعد المرحلة المقبلة تبحث عن قائد يضيف أرضًا جديدة إلى خريطة الدولة، بل عن قائد يعيد التوازن بين قوة الدولة وحقوق الإنسان، وبين هيبة السلطة ورسالتها الأخلاقية.
لقد أنجز عبد الملك بن مروان مهمة إعادة بناء الدولة.
ورسخ الحجاج بن يوسف سلطانها في أكثر أقاليمها اضطرابًا.
وبلغت الدولة في عهد الوليد بن عبد الملك أوسع امتداد عرفته في تاريخها.
وكانت تلك المراحل، على اختلاف رجالها، حلقات متكاملة في مشروع واحد، نقل الدولة الإسلامية من زمن الفتن إلى زمن الإمبراطورية.
لكن الإمبراطوريات العظيمة لا تُقاس بما تفتحه من مدن فحسب، بل بما تتركه في ضمير شعوبها.
ومن هنا، بدأت الحاجة إلى مرحلة مختلفة، لا تُلغي ما سبقها، بل تكمله.
مرحلة يكون فيها الإصلاح شريكًا للقوة، والعدل رفيقًا للهيبة، والرحمة وجهًا آخر لسلطة الدولة.
وفي تلك اللحظة، كان التاريخ يُعد لرجل نشأ في بيت الخلافة، لكنه لم ينظر إليها بوصفها امتيازًا، بل أمانة.
رجل آمن بأن الحاكم لا تعلو منزلته بما يملك من سلطان، بل بما يقيمه من عدل.
ورأى أن قوة الدولة لا تكتمل إلا إذا شعر أضعف الناس فيها أن حقه مصون، وأن بابه إلى الحاكم مفتوح، وأن ميزان العدالة لا يميل لغني على فقير، ولا لقوي على ضعيف.
ذلك الرجل هو عمر بن عبد العزيز.
ولم يكن ظهوره انقطاعًا عن المشروع الأموي، كما قد يتصور البعض، بل كان تطورًا طبيعيًا له.
فبعد أن استقرت الدولة، واتسعت حدودها، ورسخت مؤسساتها، جاء الوقت لتتجه الأنظار إلى إصلاح الداخل، وترسيخ قيم الحكم الرشيد، وتجديد العلاقة بين السلطة والمجتمع.
وهكذا، فإن التاريخ لم ينتقل من القوة إلى العدل، بل انتقل من قوة تحفظ الدولة إلى عدل يمنحها روحها.
وفي الفصل القادم من سلسلة التاريخ من وراء الستار، نقترب من واحد من أكثر الخلفاء تأثيرًا في التاريخ الإسلامي، لنكتشف كيف استطاع عمر بن عبد العزيز، خلال سنوات قليلة، أن يترك أثرًا جعل اسمه يقترن بالعدل كلما ذُكر الحكم الصالح، حتى لقبه كثير من العلماء والمؤرخين بـ خامس الخلفاء الراشدين.

author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة