JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

قراءة في كتاب " مقهى الاربعين "

 


قراءة في كتاب " مقهى الاربعين " بما أنّ سن الأربعين عند الرجل يعتبر عمر النضج العقلي الذي تتكامل فيه القدرات المعرفية مع التجارب الحياتية لتكوين الحكمة لأسباب عديدة أبرزها التكامل العصبي، الاستقرار الإنفعالي ونضج الذاكرة العاملة، إضافة إلى البعد الاجتماعي والثقافي، فقد اختار الدكتور محمد فتحي عبد العال هذا العمر تحديدًا ليطل على قرائه بكتابه:"على مقهى الأربعين" في جو أليف يوحي بالصداقة بين الكاتب وقارئه، بعيدًا عن بروتوكولات الكتابة ورسميات التنظير.

    يلفت الكاتب القراء إلى أن شخصيات هذا الكتاب من وحي خياله وأن أي تطابق بينها وبين الواقع هو من سبيل المصادفة لكننا كلما تقدمنا في صفحات الكتاب وجدنا أن الشخصيات التي يتناولها تعيش معنا، موجودة حولنا تشاركنا الحياة وهنا تتجلى واقعية حروفه بكل معنى الكلمة . فمن منا لم يلتقِ بشبيه لهذا الناقد الحاقد الذي لا يبرز إلا مساوئ العمل الذي يتناوله؟ وذاك الذي يبجّل العمل ويرفعه إلى مصاف النادر من الحروف لطمعه في الحصول على منصب أو مال أو إرضاء لمن تجمعه بهم علاقة صداقة ومودة او لأن الرواية مرشحة لجائزة مثلًا فيكون أول من كتب عنها وبخّر كاتبها؟ من هنا يرى د.محمد أن الحل يكمن في وضع معايير أدبية دقيقة للنقد بحيث يتقيّد الناقد فلا يعتمد على الذائقة والرأي والهوى،و يرشّح الذكاء الاصطناعي لهذه المهمة في محاولة منه للاستفادة من التطور التكنولوجي الحاصل.

      في مقاله الثاني يتناول د.محمد الحديث عن انقسام الناس بين الكتاب الورقي انتصارًا لحنينهم وحبهم لملمسه الورقي واعتيادهم عليه وبين من يؤيد الكتاب الالكتروني الذي يعتبره نقلة هامة في عالم النشر. ثم يميل إلى اختيار الالكتروني لما له من قدرة على الانتشار في عالم صارت التكنولوجيا فيه كالخبز اليومي، إضافة إلى أن النشر الالكتروني يتيح للكتاب مجال التعديل والتغيير والتصحيح مع الوقت مضيفًا على عمله أو حاذفًا منه. فنكتشف هنا شخصية الكاتب المعاصرة للاختراعات المتماشية مع التطور والتي لا تقبل الوقوع في فخ التجمد البالي.

      في المقال الثالث تتداخل شخصية الكاتب مع العالم والانسان المؤمن عن طريق العقل فنراه يتناول حديثين للرسول (ص) متبعًا مبدأ الشك ليصل إلى اليقين فيعترف أنه رفض هذين الحديثين في بداية الامر لكنه أقر بهما بعد التجربة والتعلم والوصول إلى المعرفة عن طريق التجربة تارة والعلم تارة أخرى. وفي ختام مقاله يدعو الأزهر الشريف الى تشكيل هيئة تهتم بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم لتقطع الشك باليقين وتثبت ما أقرّه العلم في ما ورد في كتاب الله الكريم .

     ولعل أخطر ما بحث فيه د.محمد ما جاء في مقاله الرابع، حيث إنه يتعلق بحياة الانسان وموته، إذ نراه يفصّل المنحى التجاري الذي تتخذه شركات الادوية في تسويق منتجاتها فتعرض على الاطباء الذين يتبنونها حوافز كثيرة وينصح بالعمل على وضع خطة تشرح للمواطن طرق الاستفادة من الأدوية المناسبة لمرضه بتكلفة أقل.ثم يغوص في مبحثه هذا مسلطًا الضوء على الروتين الصحي لدى المستشفيات بأطبائها وممرضيها، هذا الروتين الذي يتحمل مشقته المواطن في كل حين. ولا ينسى التحدث عن آفة اخصائيي العلاج الطبيعي الذين يتقمصون دور الاطباء ويصفون العلاجات على حسب ما يرون .وقد كان لخبرة د. محمد في هذا المجال أثره في استنباط هذه المشكلات وعرض ما يراه مناسبًا من حلول لو التفتت لها الدولة لطوّرت منظومتها الصحية لتصل إلى أعلى المستويات.

     وبما أنّ الاسلوب هو الانسان فقد كشف اسلوب عبد العال في مقاله الخامس ما يحمله من رفعة الأخلاق ودماثتها من خلال معالجته للموضوعات التي يتبنّاها الكتّاب في عصرنا هذا اعتبارًا منهم أنها رمز للتميّز والثراء الادبي فيختصرها في عناوين محددة مثل السخرية من الدين، الدعوة الى التطبيع، حرية الشواذ، التغني بتعدد الآلهة، التعرض لصفات الله وعوالم الجن والسحر. ويؤكد أن هذه الموضوعات لم تجلب للمجتمع الذي يتابعها الا الويل وعظائم الامور.

     ويعرّج عبد العال في مقاله السادس على مسألة أخلاقية تتعلّق بخيانة المجالس وكشف الأسرار وهو يسوق لها الامثلة الكثيرة مستهجنًا من تصرفات من يقومون بها خاصة إذا كانوا من هؤلاء الذين يفشون أسرار أقاربهم أو أهلهم.

     ومن هناك ينتقل إلى المقال السابع ليتناول بعض العبارات التي صارت في حكم البديهيات والتي صارت مؤذية بسبب استثمارها بشكل مخالف لما وضعت له مثل: العميل دائمًا على حق،لا تتخطَّ رئيسك في العمل، الشغل شغل .. وغيرها .. عبارات كثيرة سمعناها وربما طبقناها لكننا لم نقف يومًا منها وقفة المتأمل المتفحص. د. فتحي قام بهذه المهمة ولفت أنظار قرائه إلى أن الانسياق الاعمى وراء الشعارات أمر مبالع فيه ولا بد من مراجعة تداعياته قبل تبنّيه.

     في المقال الثامن يعود الكاتب للتشديد على مسألة تقديم الاخلاق على كل ما عداه في الأدب كما هو في الفن وكذلك في الحياة ويعرض فكرته هذه من خلال سؤاله المحيّر: هل يحقّ للكاتب تغيير وجهة نظره؟ ومتى يمكن ذلك ؟ فنراه متسامحًا، متقبّلًا لتغيير الرأي مع تقدم الحياة وتوفّر معطيات جديدة.

     وربما يكون مقاله التاسع مقالًا شائكًا بسبب دعوته إلى إعادة النظر في اللغة العربية وقواعدها من أجل مجاراة العصر وتسهيل تعليمها للراغبين من غير الناطقين بها،ذلك لأن المتمسكين بقواعد اللغة التي وضعت منذ مئات السنوات قد لا يعجبهم أن يقوم أحد بمس هذه القواعد مهما كانت صعبة. ولكن د. محمد كان جريئا بما يكفي ليقوم بعرض وجهة نظره الجريئة هذه علّها تجد آذانًا صاغية وتبلغ صداها المنشود.

     وفي المقال العاشر ينصح د. محمد الأدباء بجمع آثارهم وكتاباتهم وكل ما قدموه في عالم الفكر والادب بأنفسهم ويطلب منهم أن لا يتركوا تراثهم في أيدي الورثة لأن أغلبهم لا يهتمون بهذا الامر وقد أورد أمثلة على بعض المفكرين الذين انتهت مكتباتهم ومقتنياتهم عند باعة الكتب القديمة على الارصفة.

وينتقل في مقاله الاخير للحديث عن مفاهيم متنوعة سادت المجتمعات العربية مناقشًا ومبديًا الرأي في هذه المفاهيم فيتوقف عند مقولة مثل : اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع ثم يفنّد فكرة تعدد الزوجات والحجاب وحرية المعتقد وغيرها. فتبرز أمامنا شخصية الكاتب الملمة بالكثير من الجوانب الاجتماعية والقادرة على التبحر في تلك الجوانب ومناقشتها وابداء الرأي فيها. 

     وهكذا يخرج القارئ بعد قراءته لهذا المؤلَّف وقد تعرّف على الجوانب المختلفة للباحث د. محمد فتحي عبد العال على الصعيدين الأدبي والشخصي فنراه وقد أخذ من كل علم بأكثر من طرف وتهيّأ لاستقبال ما بعد الاربعين بنضج وعمق وانسيابية يشعر القارئ معها أنه أمام شخص يعرفه تمام المعرفة ويرغب في مجالسته لينهل من معين معرفته العميقة المتأصلة المستندة إلى التوثيق والتحليل وغير ذلك مما يثير الإعجاب والاحترام .


الكاتبة والناقدة اللبنانية زينب عبد الباقي

author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة