JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

لحظة انكسرت فيها حسابات القوة



بقلم يوسف حسن 

ليس العددُ عِدَّةً، ولا السلاحُ فخراً.

القوّةُ الحقيقيةُ أن تظلَّ أمةٌ واقفةً على أقدامها، بعد أن تعلَّمَ العالمُ كلُّه أنها ساقطةٌ.


يوم الاثنين الماضي، رأى الجميعُ عكسَ ما توقّعوا.


في غضون ساعات، تبدّلَ المسارُ تماماً: لم يَعُدْ أحدٌ يتحدث عن مزيدٍ من الضربات، بل عن كيفية إطفاءِ حريقٍ كاد يلتهمُ الجميع. فجأة، تحرَّك الوسطاءُ وكأنَّ صَفَّاً أُنذِر، واشتعلت خطوطُ الاتصالات بين عواصمَ كانت حتى الأمسِ تتفرَّج. وكأنَّ المنطقةَ اكتشفتْ أن النارَ التي أشعلها البعضُ لا يمكن احتواؤها داخل حدودِ دولةٍ أو جبهة.


لم يكن الأهمُّ في ذلك اليوم وقعَ القنابل، بل إيقاعَ الهواتف.

حين تبدأ الدبلوماسية بالرنين أعلى من المدافع، فهذا يعني أن الكلَّ أدرك أن المغامرة لم تعُد تحتمل.


في تلك الساعات القليلة، حققت إيران أكثر من اختراق:


أولاً: أعادت كتابة قواعد الاشتباك في لبنان. لم تَعُدْ بيروتُ ساحةً مكشوفةً لكلِّ مغامر، بل نقطةَ ارتكازٍ لأي تصعيد، ثمنُها لا يُقدّر.


ثانياً: أظهرت للخصمِ أوراقَه التي يخافها. ليس التصريحاتِ الإعلامية، بل أدواتِ ضغطٍ حقيقية: تعليقُ التفاوض، توسيعُ دائرة المواجهة، فتحُ أبوابِ سيناريوهات لا يريدها الأقوياء.


إيران لم تسعَ يوماً لأن تكون الأقوى. عرفَتْ أن التفوقَ المطلقَ وهم. لكنها صنعتْ شيئاً أخطر: معادلةً تجعل كلفةَ الحربِ أضعافَ مكاسبها. وعندما تبلغ الأمورُ هذه الدرجة، يصير أقوى جيوش الأرض مجبراً على التريث، ليس خوفاً من الهزيمة، بل رعباً من الثمن.


المفارقة الأعمق:

الدولةُ التي قيل إنها محاصرةٌ منهكةٌ، جعلت خصومها وحلفاءهم يستجديون التهدئة. والدولةُ التي فُرِضَت عليها أقسى العقوبات، احتفظت بأوراقٍ لا تُلعب بها إلا في اللحظة الحاسمة.


قد تختلف القراءات، وقد تنقسم المواقف.

لكن يوم الاثنين، قال شيئاً لا يُرد: ليس ضرورياً أن تمتلك كلَّ القوة لتملي معادلتك. يكفي أن تجعل خصمك، وهو على قمته، يقف متردداً قبل الخطوة التالية.


في دنيا السياسة، حين تتحول نار الحرب إلى لهاث الدبلوماسية، فاعلم أن الرسالة وصلت. ميزان الردع نجح في مهمته، ولو ليوم واحد.


في ذلك اليوم، قالت إيران للجميع، بلا ضجيج:

ما زلتُ هنا. وما زالت أوراقي تغيّر الحسابات.

NameEmailMessage