JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

انطباعات فنية

 


 
أنشودة ريفية طازجة بـ"عبلها" وطينها وصدقها في (سنوات النمش) لوحيد الطويلة..عدنا خمسين عاما لأيامنا الأولى في الريف ..مع حبكة فنية محكمة ..وهذا هو موضوع مقالتي الأسبوعية ( انطباعات فنية) بجريدة المساء.


بقلم -- حزين عمر
مقاومة الفناء ..بالموسيقى!!
وحيد الطويلة يعزف لحن البساطة

الموسيقى ظاهرة فطرية..الموسيقى حياة..الموسيقى علاج من المرض العضوي ؛ ومن جراح النفوس؛ ومن مظاهر الجفاف والتوحش والفراغ..
هذه الأحكام ليست مرسلة ؛ بل موثقة إبداعا روائيا ممتعا ثرا متدفقا عبر (سنوات النمش) لوحيد الطويلة ..هي رواية في العشق: عشق الوطن ورموزه وأرضه وسمائه وهيشه ؛ وحتى أمراضه!! وهي معايشة واقعية وخيالية معا لبقعة قصية من بقاع الوطن ..يظنها أهلها آخر حدود العالم ..منعزلة محاطة بالتراب الذي يتحول إلى وحل/طين معظم شهور العام ؛ وإلى دبابيس تخترق الأرجل الحافية حين تسير عليه أيام الصيف.
هي عشق كذلك للجمال: جمال المرأة المهمل الفطري الغريزي ؛ والذي يدرك الرجال قيمته اقترانا بعدة نساء : سرا وعلنا. فلا متعة هنالك - فترة الستينيات والسبعينيات - غير الأنثى ؛ التي تسعى بدورها لهذا الحق الغريزي الشرعي ؛ وتعرض نفسها - رغم القيود - عبر وسائل بسيطة: تقديم الشاي للضيوف؛ توسيط الأقارب لجلب العريس؛ الدعاء والتوسل إلى الله ليمن عليهن به!! وإن كانت بعضهن متمردة على "النعمة" بدافع الاستبداد النسائي!! فهاهي ذي عمة البطل/الراوي تقترن بضابط من أهل القرية ..وشيئا فشيئا تكسر الحاجز ما بين صفتها كزوج للضابط والضابط نفسه!! تتدخل في التحقيقات ؛ ترد على تليفونات مركز الشرطة؛ تتجمع حولها النساء الشاكيات ؛ توسع دائرة علاقاتها العامة لتصل إلى مأمور المركز وضباطه؛ حتى إنه يقترح - ساخرا - منحها رتبة شرفية!!
نموذج العمة هذا كان قليلا في القرية ؛ لكنه موجود ومؤثر وخاصة بين العائلات الكبيرة ..ولو أن هذه الشخصية الروائية موجودة في زمننا هذا ؛ زمن النظريات النسوية ؛ لجعل منها المطلقات والخالعات والمتمردات من الليبراليات مثلا أعلى وزعيمة عليهن!!
القصة داخل القصة
وهذا ما كانت تتمناه وتسعى إليه السيدة تلك ..في سياق روائي طريف ممتع .. وحالتها نفسها هذه تكشف آلية من آليات وحيد الطويلة في بناء روايته..غير توظيف التراث والحكم والأمثال وبعض الصور الشعرية والسخرية : إنها آلية القصة داخل القصة .. فحكاية العمة قصة قصيرة مكتملة ..وهنالك قصص أخرى جذابة تنقلك من زهرة لزهرة ؛ ومن نغمة لنغمة ؛ ومن أنشودة لأخرى: هنالك قصة شيخ البلد العيرة "الخباص" وزوجاته الأربع . وقصة عبدالعليم "المتعلم " الحاصل على الدبلوم ..وقد خطب (وداد) ويمنعونه من التواصل معها فيحتال ليراها ..وقصة زواج (رغدة) ابنة صدام حسين وشبكتها التي كانت بمقدار ميزانية جزر القمر ..وحكاية الشيخ احمد العائد من المدينة ؛ والذي شكل (حكومة ظل) في الحرب العالمية الثانية!!
هذه الأقاصيص ظلال لمعنى آخر : أن هذه القرية النائية المهملة المتقشفة رغما عن أهلها ؛ لم تكن فعلا كما يظن أهلها : آخر بلاد الدنيا ..كانت في قلب الأحداث ؛ ولم تنعزل خلف جدار التجاهل ..لأن أغلب قرى مصر: شمالا وجنوبا كانت هكذا .. وعلى الرغم من ذلك كانت معقلا للوطنية ومصدرة للمواهب ؛ في الحرب والسياسة والعلم والأدب والفن ..فقد زار رئيس البرلمان كبير العائلة في القرية - لم يذكر الراوي اسمها لأنها نموذج لآلاف القرى المصرية حينذاك - وكانت تتابع الأحداث وتتخذ المواقف الوطنية ..في نكسة يونيو وفي حرب الاستنزاف وتنحي عبدالناصر ثم وفاته وفي انتصار أكتوبر .. وقد تسلل إليها روح الفن ؛ والغناء تحديدا ؛ ليس عبر الفرق الغنائية التي تجلبها في أفراحها من القاهرة فحسب ؛ بل كذلك عبر أجهزة الراديو القليلة جدا التي حملت لهم أصوات ليلى نظمي وعايدة الشاعر كشعبيات ؛ ومحمد عبدالوهاب كمعشوق لوالد البطل - كبير العائلة والقرية - ومعه أم كلثوم..ثم استخفافه بصوت فريد الأطرش المشحون حزنا كصوت المعددات!! وانصرافه عن صوت عبدالحليم حافظ مغني الثورة ؛ لا بصفته هذه ؛ بل لغنائه للمراهقين والعشاق والناعمين !!
الموسيقى والنمش !!
الفن يتسلل ؛ كتسلل النمش في وجوه الناس ؛ وخاصة البطل/الطفل/الراوي ..فبرز واحد واثنان وأكثر من الشباب مغنين ؛ بما فيهم (عبدالله أبوزيد) ابن أحد كبار العائلات ..وقد قاوم حالة التقشف والجفاف والعزلة والموات بطريقته الخاصة : ملابس أنيقة ؛ بشرة ناعمة؛ صوت عذب ..فأضحى صدمة كبرى لأبيه وأهله!! لأن الحلم الغالب لدى الناس هنا هو الالتحاق بما يسمونه في تلك القرية وكل القرى(رجال الليل) أي كبار اللصوص ..ولو كانت نهاية أكثرهم القتل والسجن . يسرقون البهائم والزروع والسائرين في الطرقات المظلمة ..و يدافعون عن العائلة بنبابيتهم وعصاباتهم .. هم جزء من النمش الذي يسري في الوجوه .. إنه نمش معنوي أكثر من أن يكون ماديا..وقد تطور معنى النمش على يد الكاتب منذ بدء توظيفه ؛ حتى وصل إلى نهايات الرواية ..حين :(زالت عن روحي آخر بقعة نمش) ..كيف زالت ؟!! إنه الغناء ..بطل العمل ظل يشحن من خلال عماته وقريباته بحب الفن : السير الشعبية والغناء والموسيقى والحكايا ؛ حتى اتخذ هو نفسه الخطوة الأخيرة في تطوره النفسي ونضجه الدرامي كشخصية روائية . وصعد إلي المسرح في أحد أفراح القرية ..غنى وغنى ..وأمتع واستمتع ..حتى تطهرت نفسه من النمش الذي كان موصوما به طوال حياته الطفولية .
وحيد الطويلة في روايته هذه ؛ لا يسطر أحرفا ؛ بل يعزف نغما وروحا وأصالة وبساطة وأملا.

NameEmailMessage